عرض المقال
العقد النفيس بفوائد الشيخ الدريس
1363 زائر
14-10-2011
خضراء البلوي


الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى والإمام المجتبى، وبعد :

يطيب لنا بعد انتهاء الشطر الأول من سلسلة دروس : ( كيف نتعامل مع الفتن؟ ) لشيخنا أ.د. خالد بن منصور الدريس – سدده الله –أن نضع بين أيديكم بعض الوقفات التي استفدناها من تلك الدروس الرائعة، سائلين الله أن ينفع بقائلها وكاتبها وقارئها..

:

فقه الفتن .. مركب النجاة من ويلاتها :

1- الفتن لا تأتي على منوال واحد أو على مستوى واحد، ففيها فتن ظاهرة، وفيها فتن باطنة وهذا يستدعي أن نتفقه في النصوص التي تحدثت عن الفتن.

2- الفتنة تكون في الخير وتكون في الشر كما قال الله عز وجل: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، والناس بطبعهم يحذرون في فتنة الشر لظهورها وانكشافها، ولا يبالون بفتنة الخير لأنها مستترة مختفية.

3- كل الفتن مرجعها إلى شبهة أو شهوة، فإذا شعر الإنسان من نفسه أن القيم الدينية والأخلاقية قد انقلبت لديه، أو تغيرت تصوراته في أحكام الحلال والحرام على الأشياء فقد يكون تعرض للفتنة.

4- إن الدنيا لم تتزين وتتزخرف في أي وقت من الأوقات السابقة كما تزينت اليوم، والشغف بالدنيا إذا سكت الإنسان عنه ولم يتداركه بالرجوع إلى الله والتوبة والإنابة سيستمر به حتى يصل بالإنسان إلى انتهاك محارم الله وهو غير منتبه لذلك .

5- كل البدع و الانحرافات الفكرية والمذاهب الفكرية المحدثة فيها قدر من الإغراء والإغواء، وتحوي هذه الأفكار في الغالب على جاذبية لأن فيها موافقة للعصر، وتمشياً مع الأهواء فتأتي هذه الأفكار على ما يعجب هوى الإنسان ومتطلباته وطموحاته ومطامعه، مما يجعل كل شيء عند الإنسان في حكم المباح، مثل: القيم الليبرالية، فهي تنادي بفتح أبواب الحريات، وهذا يقود إلى الوقوع في الفتن الاجتماعية والسياسية ويؤدي لانقلاب التصورات والمفاهيم في أحكام الحلال والحرام، وقد شاهدنا ذلك من بعض من كان يعرف بالالتزام الديني وطلب العلم وتحولت أحوالهم إلى ما لا يسر.

6- إن غالب الذين تورطوا في شيء من أعمال التكفير أو التفجير لا يمتلكون مهارات فحص الأخبار والمعلومات، ولا يميزون بين الحقائق والشائعات، حماسهم يغلب حلمهم، يندفعون بلا تردد، وهذا يذكرنا بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما قال:(حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام)، يعني: أن هناك نقصاً في مهارات التفكير السليم لديهم والأكثر من ذلك لديهم غرور فكري وإعجاب بالنفس.

7-لن يؤتى المسلم في أمر دينه ودنياه إلا من ظلمه أو جهله، فمادام أن الأصل في الإنسان الظلم والجهل فعلى الإنسان أن يجري صيانة بشكل دوري لعدله وعلمه، فالعدل مقابل للظلم، والجهل مقابل للعلم، لأن مداخل الشيطان الرئيسية للإنسان هي من أبواب ثلاث: (الجهل- والهوى-والظلم)، فجدير بنا أن نقيم نوع من الصيانة الدورية لمثل هذه القيم.

8-: إن القلوب قد تتشرب الهوى ليس من باب الشهوات، أو أمور يعجب بها القلب كالدوافع أو الغرائز فقط، بل قد يأتي الهوى من باب ما يسمى: (بالعواطف السوداء)، مثل: الكره والحقد والحسد والبغضاء، فيهواها الإنسان وتتزين له، وإن الشيطان يستغل ثغرات الجهل لدى الإنسان في مثل هذه المسائل ويدخل عليه من نقطة ضعف يصاب بها في تحديد المصطلحات أحياناً.

:

رسائل لذوي الهمم .. :

1- في مجالس العلماء يتعلم الإنسان الحكمة والسكينة واليقين، ويقتدي بالآداب وبالمنهج، لأن مجالس العلماء ليست معلومات ومعارف فقط، بل هي أمور أبعد من ذلك، فهي آداب وسلوكيات منهجية في الفكر والسلوك، تتعلم فقط من مجالس أهل العلم.

2- كان شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كثيراً ما يلهج بالدعاء في مواطن الاشتباه العلمي والإشكال المعرفي، وكأن الدعاء هو عدته في مثل تلك المواطن.

3- من سبل الاعتصام بالكتاب المنجي من الفتن: ما يمكن أن نسميه بـ: (التدبر الموضوعي للقرآن الكريم)، وذلك بأن يقرأ المسلم القرآن من أوله إلى آخره، قراءة لا هم له فيها إلا أن يحل المشكلة التي وقع فيها، أو الفتنة التي وقعت، وكيف المخرج منها.

ومما يجب التفطن له القراءة في كتب الحديث: كصحيح البخاري ومسلم، وتدبر ما فيهما من أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وسؤال أهل العلم عما أشكل على المسلم أثناء القراءة، وهذا من الاعتصام بالكتاب والسنة.

4-أن المرأة مؤهلة للمشاركة في القضايا الاجتماعية كافة، لما تحظى به من قوة التأثير على الرجل، وشاهد ذلك من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن)، وليس بالضرورة أن يكون التأثير في الأمور المتعلقة بالشر فقط، لأن المرأة قد تستخدم قوة التأثير في الخير أيضاً، وقد تستخدم بالشر كما قال الله -عز وجل-: (قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم)، والكيد قد يكون في الخير كما جاء في قول الله -عز وجل-: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ) ..

قال بعض المفسرين: "إن هذه الآية فيها بيان إلى مشروعية الحيلة إذا كانت ستوصل الإنسان إلى مباح".

5- من أهم و أوجب الواجبات في زمن الفتن الظاهرة والباطنة أن يوثق المسلم عرى علاقته برفقة صالحة، لأن الرفقة الصالحة لها دور كبير جداً في تشكيل فكر الإنسان ووجدانه، فالإنسان ليس كتلة صماء، الإنسان بطبعه يؤثر و يتأثر، وفي مراحل العمر الأولى خاصة (الطفولة - المراهقة -الشباب) يكون تأثره بالمتلقيات كبيراً، أكثر مما يؤثر هو في الآخرين، ومن تأمل كتاب الله -عز وجل- والسنة النبوية، سيجد أن توثيق العلاقة بالرفقة الصالحة من أنفس العلائق، ومن أغلى الكنوز التي يدخرها الإنسان في حياته، فكم من خير لم يعرفه المرء المسلم إلا من خلال رفقة صالحة دلوه عليه.

6- أطبقت جميع الكتب السماوية وأقوال العلماء والحكماء في جميع الأديان على معنى واحد، وهو أن القاعدة الذهبية في الأخلاق: (ما تحب أن يعاملوك الناس به فعاملهم به)، وهذا معيار أخلاقي مطرد، في أوقات الفتن وغيرها.

7- إن كل استبداد سياسي، وكل مشكلات التخلف التقني المادي، وكل قضية تتعلق بنهضة الأمة وتقدمها، تصبح هامشيةً أمام تطبيق المرتكز الأخلاقي والتمسك به تمسكاً صارماً، فهو العمود الفقري، وهو ما يجب أن نقوّم به الناس تقويماً حقيقياً .

8- في رأيي أن من لم يتقن علم أصول الفقه فلا يوثق بعلمه، فأبواب أصول الفقه مهمة لأنها تصنع العقلية المسلمة، بل إن الفكر الإسلامي الحقيقي منبعه من عدة علوم، أبرزها: علم الحديث وعلم أصول الفقه، لما فيه من تعويد المسلم على استعمال مهارات الفهم و التحليل، ومتى عرف المسلم الروح التي تقف خلف قواعد علوم الحديث وعلم أصول الفقه، وتشرب ذلك، وجعله سلوكاً فكرياً له، سيتحول إلى مفكر إسلامي بمعنى الكلمة.

9- قد تعرض لبعض طالبات العلم مشاغل الحياة، وتبدو لهن الكثير من المسؤوليات، من طلب رزق أو زواج أو تربية أبناء، فيعذرن في ذلك، لكن مما يجب التنبيه عليه في هذا أن لا يقطعن صلتهن بأخواتهن طالبات العلم الأخريات، ولو كانت الصلة ليست كما كانت في السابق، المهم هو الاستمرار في التواصل ولو كان أقل وأضعف، حتى تستعيد طالبة العلم القدرة على التوازن من جديد، ومتى ما أرادت العودة تكون ميسرة لها -بإذن الله–.

10- الساحة الالكترونية حالياً متروكة للمبادرات، فمن يسرع بالمبادرة سيحوز على المكانة، ومن يتأخر أو يتلكأ فإن هذا زمن يأكل فيه السريع البطيء، بعكس الأزمنة الماضية التي كان يأكل فيها القوي الضعيف، فهلم بالمسارعة و المبادرة خاصة في نشر العلم و الدين .

:

التنبيه لما ينبغي للأمة من توجيه:

1- يجب علينا أن لا نأخذ بالفهم الجزئي للأحاديث، فنكون بذلك كأهل الكتاب من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أو من الذين اتخذوا القرآن عضين، يعني: أنهم أخذوا جزء وتركوا أجزاء، بل المنهج النبوي في مثل هذه الأمور أن لا تضرب هذه النصوص بعضها ببعض، ولا تفهم بجزئيتها فقط، بل المطلوب أن نفهم أحاديث الفتن في إطارها المعرفي الشمولي المتكامل مع مقاصد الشريعة ومبادئها ونصوصها العامة.

2- التركيز على الأصول والضوابط في الأمور المنهجية مع الاختصار في النصوص قدر الإمكان يساعد المرء على الاستذكار، وتساعده تلك القواعد والفروق على العمل، فعند وقوع الإنسان في حيرة أو شك قد لا يستحضر النصوص المطولة ويفكر فيها، إنما يحتاج إلى قواعد كلية يسترشد بها.

3- ترتيب شعب الإيمان على مراتب بشكل عمودي يدل على عناية الشرع بـــ (فقه الأولويات)، ويجلي مكانته في الدين ،بل إن الترتيب في ديننا سمة بارزة، فحتى المعاصي رتبت إلى كبائر و صغائر، وحتى الكبائر قسمت في نصوص الشرع إلى أكبر الكبائر وكبائر، فيجدر بأهل هذا الدين القويم أن يستفيدوا من هذه التقسيمات الرائعة التي هي في صميم دينهم، ويطبقوها في مناهجهم الفكرية.

4- هناك فرق بين كثرة المعارف وبين العلم فقد يكون الإنسان كثير المعارف، لكن تلك المعارف لا تترجم إلى سلوكيات موافقة للدين .

5- المحك الحقيقي في الآخرة ليس على كثرة المعلومات والمعارف التي عند الإنسان، ولا على عدد القراءات التي حفظ بها القرآن، ولا على كمية حفظ المتون، إن المحك الرئيسي في ذلك في قوله سبحانه: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب)، لذلك ورد عن بعض السلف ألفاظاً تربط ربطاً أساسياً بين العلم وخشية الله -عز وجل-، فنقص الخشية من الله -عز وجل- علامة على نقص العلم .

6- بعد تأمل أكثر الدورات العلمية التي تجري،وجدنا أن أكثر المتون والكتب التي تدرس أكثرها فقه و عقيدة وقضايا لها صلة بعلوم الآلة، وهذا خلل في البناء العلمي والثقافي لتأخر أهمية الجانب الروحي، فلابد من تنظيم حلقات نقاشية، و إجراء ندوات، وخطط تربوية، وبحوث مسحية ميدانية تنظر في هذا الأمر، فجوهر الدين في الحقيقة هو صلاح القلوب وتزكيتها، فليس من الصواب أن نجد أكثر ما يدرس في المساجد اليوم أحاديث الأحكام والفروع الفقهية وعلوم الآلة، بل إن الأدهى والأمر في ذلك أن فقه أعمال القلوب وأبواب الأخلاق تذكر في الآداب التحسينية التكميلية، وهذا خلل واضح في الأولويات، وربما تحاشى بعض العلماء التركيز على أمور التزكية الروحية خشية التشبه بالصوفية، وهذا بلا شك ليس صواباً، لأن القاعدة تقول: (لا يترك حق لباطل)، فما نعيشه اليوم هو من التناقض الصارخ. إننا في أمس الحاجة إلى فهم الكتاب والسنة على فهم سلفنا الصالح في أمور الشريعة كلها بما في ذلك أمور التزكية والأخلاق، لكن للأسف ليس لهذا الأمر أولوية، لا في مناهجنا ولا في دروسنا. فيجب إعادة الاعتبار لأمور التزكية الروحية في مناهجنا، و وسائل إعلامنا، ودروسنا وفي شأننا كله.

7- بعد تأمل طويل في حال انكفاء الأمة وفي حال التراجعات والانتكاسات التي صارت خاصة في العشر سنوات الأخيرة وجدنا أن من أسباب ذلك هو: (افتقارنا للعمل المؤسسي)، بل إن استثمارنا واستغلالنا لوسائل الاتصال الحديثة اليوم لا يتجاوز خمسة إلى عشرة بالمائة فقط فحتى الآن لم نتواصل كما يجب، وحتى الآن لم نستثمر هذه الوسائل بالشكل المطلوب .

8- إن قصة موسى مع الخضر -عليهما السلام- بمثابة الدورة العملية التدريبية، لذلك نجد في قصص الصحابة والتابعين عنايتهم البالغة في الجانب العملي للتربية على الأخلاقيات، ولم يكتفوا بالنصائح والمواعظ، فلابد من التركيز أكثر على الجانب الأخلاقي في الدروس والمحاضرات، وحتى في سلوكنا مع الأهل والأصحاب والطلاب، لأن التربية بالقدوة أعظم أنواع التربية وأكثرها تأثيراً.

9- قيل في ترجمة علي بن المديني : أنه إذا ذهب إلى الكوفة أظهر فضائل عثمان-رضي الله عنه-، وإذا ذهب إلى البصرة أظهر فضائل علي-رضي الله عنه-، وذلك لأن أهل الكوفة شيعة ويميلون إلى علي ميلاً شديداً، وعندهم تشيع لعلي وكره لعثمان، فإذا ذهب إلى الكوفة يظهر لهم أحاديث عثمان، يعاملهم بالضد، وإذا ذهب إلى البصرة وهي - كما يعلم -عثمانية، تميل إلى عثمان، وهي أقرب إلى مذهب أهل المدينة حتى فقهياً، ولديهم نوع من النصب ضد علي، فيظهر لهم فضائل علي، يعامل كل شخص بضده. وهذا أسلوب تربوي، فإذا لاحظت تلميذك أو أحد أبناءك عنده نوع من الغلو أو الفهم الخاطىء فعامل الشيء بضده، كما أن بعض الناس يغلب عليه الخوف من الله -عز وجل- ومن جهنم غلبة شديدة حتى توقعه أحياناً باليأس من رحمة الله -عز وجل-، هنا يجب أن نركز على أحاديث الرجاء وعلى آيات الرجاء وعلى ما ورد في فتح أبواب الأمل لنعالج الضد بضده.

10- إن الدول الإسلامية اليوم بحاجة ماسة إلى إنشاء مراكز للمعلومات بهدف دعم الفتوى الشرعية، تقوم بجمع المعلومات الدقيقة من المصادر المختلفة ومن وسائل الإعلام ومراكز المعلومات العالمية الدقيقة، وتقديمها مرتبة ميسرة للفقهاء، فلو حصل ذلك لكان دعماً كبيراً للمفتين في النوازل والمستجدات.

11- كثير مما يصيبنا من المصائب، سواء في المعتقد أو الفكر أو السلوك، غالباً يكون بسبب الجهل، بل إن ما يحدث اليوم في بعض البلاد الإسلامية من عمليات تفجير يقتل فيها العشرات وأحياناً المئات دلالة على أن مفهوم القتل انتشر، وكما قيل: (بكثر الإمساس يقل الإحساس)، وهذا علامة على وقوع الفتن، لأن التوسع الكبير في القتل وكثرة الأخبار الواردة بكثرة القتل جعلت سماع تلك الأخبار في حيز المعتاد.

12- يقول أحد المختصين في العلوم المادية: إن حجم الاختراعات والاكتشافات التي تمت خلال الثلاثين سنة الأخيرة يوازي حجم ما اكتشفته البشرية خلال خمسة آلاف عام، وهذا الأمر لم يتعرض له جيل من أجيال هذه الأمة من قبل.

ألا يؤدي هذا إلى انقلاب القيم والتصورات لدى كثير من الناس ؟!..

ألا يؤدي هذا إلى اشتباه الحق بالباطل ؟!.. -نسأل الله الثبات- .

13- الاقتباس : فن من فنون البلاغة، له أحواله ومقاماته وشروطه، فما كان من اقتباس فيه عبرة و تذكير فلا حرج فيه إلا أن يكون ذلك في مقام لا يليق بكتاب الله -عز وجل-، لذلك هو في كلام العلماء و الأدباء شائع، وليس من التلاعب في كلام الله في شيء، ومن روائع الكتب في هذا الشأن ما أفرده الثعالبي في كتابه (الاقتباس من القرآن) في مجلدين، ومن ضروب التلاعب بالقرآن ما ذكر عن أبي نواس لأنه استخدم القرآن في مواطن ينزه عنها القرآن،فيها نوع من الفحش وهذا مذموم بلا شك.

:

بث الأمل .. لنفوس أثقل كاهلها الملل:

1- ديننا بفضل الله يحثنا على التفاؤل، يحثنا على الأمل، ويؤكد على أن المستقبل للدين، ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة –رضي الله عنه - يقول: ما سأل أحد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الدجال ما سألته، وإنه قال لي: (ما يضرك منه؟!)، قال: قلتُ: (لأنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء)، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- : (بل هو أهون على الله من ذلك)، فليس من السنة تهويل أمور الفتن و أشراط الساعة وما يجري من شرور، كما يفهم من التوجيه النبوي الكريم للمغيرة لما تعاظمت مخاوفه من الدجال وهو صاحب أعظم فتنة ستطرق هذا العالم، فهدأ المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من روعه: (بل هو أهون على الله من ذلك).

2- إن بعض الناس يظن أن مفهوم الصبر ينحصر في مجرد تحمل المواقف الأليمة، والصبر بلا شك أعم من ذلك بكثير، فالصبر هو الاستمرارية على أمر يحتاج إلى المثابرة فيه، بل إن الصبر مجمع الخير، والمتأمل في نصوص الشريعة يعلم أن العمود الفقري والهيكل الأساس للأخلاقيات في ديننا هو الصبر، ولقد جاء الأمر به في أكثر من سبعين موضعاً في القرآن الكريم، وليعلم المسلم أن من أهم مجالات الصبر: عبادة (انتظار الفرج من الله -عز وجل-) مع السعي عملياً وفق ما جاء به الشرع في التغيير الإيجابي للأوضاع، كالدعوة إلى الله -عز وجل-،وتنبيه الناس إلى الأخطاء، ومناصحة ولاة الأمور، ولكن لا يغفل المسلم عن انتظار فرج الله، وليصبر نفسه على ذلك، فإنه من حسن الظن بالله، وهذه عبادة قلبية عظيمة تحتاج للصبر، ولتغذية التفاؤل الدائم .

3- من الأهمية بمكان أن يعرف الإنسان من تجارب البشر أن (الإخفاق في الحياة أكثر من النجاح)،وهذا بشهادة عدد من الإداريين في العالم، وهذا ليس مدعاة لتثبيط الإنسان أو انصرافه عن العمل، بل إن العلم بذلك من الأسباب المعينة على النجاح - بإذن الله تعالى -، لأن الخبرات تتكون لدى الإنسان من حالات الفشل التي تمر به، والنجاح الحقيقي للإنسان لا يكون بالأفكار الكبيرة أو الطموحات العالية، بل إن البدايات الصغيرة المتيسرة التحقيق هي سر النجاح، بل هي من يغذي شعور الإنسان بأنه يملك المزيد من القدرة لتحقيق الانجازات، ولا يغفل الإنسان وليكن على حذر من الصوارف و القواطع، ومن أهم تلك الصوارف في المشاريع الإسلامية:

1- عدم توفر التمويل المنتظم .

2- عدم الاستمرارية، ومن أسباب ذلك: النزاعات التي تحدث بين القيادات في العمل الإسلامي، تنازع الأفكار، وسيطرة المصالح الحزبية، عدم الصبر على تحمل المصاعب.

:

توضيح الملتبسات في زمن الفتن و الثورات:

1- وضوح التصور و دقته في أوقات الفتن مهم جداً لأن حصيلة ما يتوفر من معلومات سيبنى عليه الحكم ولا يمكن الاعتماد في مسائل الفتن بما ينشر في وسائل الإعلام والاكتفاء بها لإصدار الحكم .. قد يوجد في وسائل الإعلام قدر من الحقيقة لكنها ليست كل الحقيقة والذي يعرف ألاعيب الإعلام لا يمكن أن يطمئن لما ينشر .. وفي هذه الحالة لابد من أخذ رأي العقلاء و الحكماء في البلد نفسه التي تجري فيه أحداث الفتنة ..

2- إن من حق الأمة أن تطالب بتغيير الفساد و دحض المفسدين شريطة أن يكون بطرق سلمية بعيدة عن حمل السلاح والعنف ، واستعمال المظاهرات قد يصحبه فوضى وانتهاك حقوق مرعية شرعاً ، وحكم المظاهرات فيه تفصيل فهي تختلف من بلد إلى بلد نظراً إلى أن بعض البلاد تعدها قانوناً حقا من حقوق الشعب ، فإذا اتفق العلماء المعتبرون في بلد من البلاد التي لا تباح فيها المظاهرات قانوناً على أن المظاهرات تؤدي إلى المفاسد فيجب العمل بقولهم وطاعتهم في ذلك ، ولكن على الحكام إن كانوا صادقين وجادين في إزالة المنكرات والقضاء على الفساد الأخلاقي والإداري المالي أن يتخذوا إجراءات حقيقية ملموسة لتحكيم الشريعة والعدل ورفع الظلم ويستثمروا مثل تلك الفتاوى الحاضرة للفوضى في الإسراع بتعديل الأوضاع الخاطئة ، فإن هم قصروا في ذلك ، فإن الناس لن يسمعوا لفتاوى العلماء بمنع المظاهرات .. واستعمال الحكام لفتاوى العلماء لتهدئة الأوضاع فقط بلا تغيير للأوضاع السيئة، يعود بالضرر البالغ على مكانة العلماء في نفوس الناس وبالتالي يساء الظن بهم ، وتدريجيا يفقدون ثقة الجمهور بهم وباستقلاليتهم .

3- إذا كانت ( نتيجة ) الخروج على الحاكم ( مجيء حاكم مثله أو شر منه ) فقد أهدرت كثير من الدماء على لا شيء ، فلابد من النظر و الاعتبار.. و النظر السياسي , والوعي التاريخي مع كونهما مسائل اجتهادية إلا أنها في غاية الأهمية في قضية النظر في مآلات الأفعال فهي معينة على تقدير المفاسد و المصالح الناتجة بعد ذلك .. والإلمام بالتاريخ السياسي الحديث و المعاصر قد يكون أولى من الإلمام بالتاريخ القديم لأن التاريخ الحديث فيه وثائق ومعلومات أكثر دقة بعكس التاريخ القديم الذي يفتقر إلى التفاصيل .. ومناط التفضيل هنا في جانب تشخيص المصلحة والمفسدة .

4- لو تأملنا أكثر الفتن التي يكون فيها الخروج على الحاكم المسلم أدركنا أن أغلبها بسبب الأمور المالية , والاقتصادية , والأثرة المادية , وسوء توزيع الثروات بين أفراد الشعب ، وهذا الأمر يقود أحياناً للاقتال والنقمة وقد يصل الأمر إلى التكفير ، وتأملوا في فتنة قتل عثمان -رضي الله عنه - وفتنة ابن الأشعث وغيرها وتعمقوا في جذور تلك الفتن ، ستجدون أن سببها في الغالب هو الأثرة ..

   طباعة 
5 صوت
                                       التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »

05-03-2012

(مشرف)

صرير قلم

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ..
حياك الله أختنا أم أحمد .. دورة : ( كيف نتعامل مع الفتن ..؟) .. انتهت قبل شهر تقريباً ..
وستنزل دروس هذه الدروة مفرغة كاملة هنا في الموقع قريباً إن شاء الله ..
للإستزادة عن دروس د. خالد الدريس .. دونك البريد المخصص لذلك :
alsona1432@gmail.com

02-03-2012

(غير مسجل)

أم أحمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لو سمحتم أين أجد هذه المحاضرات التي تتحدث عن الفتن لفضيلة الشيخ ..وهل للشيخ دروس يويمية وأين مكانها ؟؟ جزاكم الله خيرا

04-11-2011

(مشرف)

بوح المحابر

جزاكم الله خيرا على هذا الإيضاح والبيان .. وعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ..

01-11-2011

(غير مسجل)

أبو محمد

وقفات تربوية رائعة .. جزاكم الله خيرا

29-10-2011

(غير مسجل)

مها الفريح

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

15-10-2011

(غير مسجل)

عطره

درر
جزاكم الله خيرا

[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
3 + 9 = أدخل الكود
                                       جديد المقالات
جديد المقالات
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية