المقال
أسرار مريم العذراء
1851 زائر
22-06-2013
غير معروف
أبرار بنت فهد القاسم



قرأت خاطرة عن الصديقيّن كتبتها صاحبتي إقبال العنزي -وفقها الله- فأثرت فيني كثيرا وأكثر ما أثار تفكيري قولها : ماذا ورد في صفة مريم حين اصطفاها الله ؟

:

:::

فأخذت أقلب دفتي المصحف بحثا عن أسرار تلك الطاهرة النقية - جمعنا الله بها في جنات عدن - فهي محل للاقتداء والتأسي ، وجزى الله إقبال عني خيرا حين استحثني حرفها ، ونفض الغبار عن قلمي ليسطر لكم بعض ما كشفه القرآن عن علاقة تلك التقية بربها فإليكم بعض أسرارها :

:

::

1. سر الأدب مع جناب الرب : فمجرد ما سألها زكريا عن رزقها لم تنسب ذلك لفضلها وقدرها وأنها استحقت هذه الكرامة لصلاحها وتبتلها في المحراب ، ولم تنسبه لصلاح أمها التي نذرتها لخدمة بيت الله { قالت : هو من عند الله } مباشرة دون أي تفكير .

:

::

2. سر حسن الظن بالله وكمال اليقين والثقة بوعده : عذراء تحمل طفلها !! الموقف عظيم والخطب جلل ؟! ماذا ستقول لقومها ؟! هل سيصدقون قولها ؟!

إلا أن يقينها الراسخ الذي يعمر أرجاء قلبها بمعية الله لها ، وأنه سبحانه لن يخذلها حين لجأت إليه ، وسيظهر برائتها ، ويفرج همها وكربتها ، أضفى عليها ثباتاً وسكينة جعلتها تسير بخطى واثقة لتواجه قومها برباطة جأش وقوة قلب { فأتت به قومها تحمله }.

:

::

3. سر تواضعها وزهدها في الألقاب ومعرفتها بحقيقة نفسها: وأنها لا شيء لولا كرم الكريم ، لذا عبرت عن نفسها { يرزق من يشاء } فهي واحدة ممن شاء الله رزقهم ، ولم تقل يرزق عباده الصالحين ، أو خدم بيته العظيم ، أو غيرها من الألقاب والأوصاف التي هي أهل لها وتستحقها .

:

::

4. سر الاستعانة بالله وحده دون سواه وكمال اللجأ إليه : فجبريل – عليه السلام – حين جاءها على هيئة بشر ، انطلق لسانها مباشرة ليترجم مكنون قلبها بالاستعاذة بالله والاعتصام به في تفريج ما هي فيه ، لعلمها أنه لن يخلصها من كربها إلا هو سبحانه { إني أعوذ بالرحمن منك }.

:

::

5 .سر الطهر والعفة : لك أن تطلق لفكرك الخيال ليتصور مشهد تلك العفيفة العذراء الحيية حين أرسل الله لها روح القدس في صورة بشر سوي ، أي رعب عاشته تلك اللحظة ، وأي خجل اعتراها ، هو لم يكلمها بعد ، فقط رأته !! ذاك حال من لم تعتد مخالطة الرجال ومحادثتهم .. فلجم لسانها عن تخويفه بالله إلا من كلمة واحدة (( التقوى )) { إن كنت تقيا } فالتقي إذا ذُكر بالله ارتدع ..

ما تظنون بحال تلك العفيفة الطاهرة لو اطلعت فقط على صفحات التواصل وغرف الدردشة والبالتوكات ورأت ميوعة الأحرف ، وتمطيط الكلمات ، وتغنج الجُمل، والوجوه التعبيرية بين الجنسين ؟!

ألا نؤمن بأن الأقلام ولوحات المفاتيح نائبة عن الألسن ؟!

:

:

::

6. سر كثرة التعبد والتأله : فطول القنوت وكثرة الركوع والسجود .. من أهم أسباب الثبات على الاصطفاء حتى الممات.

{وإذ قالت الملائكة : يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين * يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين }

فمن أطال مكث قلبه في المحاريب فاضت السعادة والسكينة على جنباته ..

كيف لا ؟!

وقد أطال الصلة فيها بمن بيده ملكوت كل شيء ..

فالمحاريب من المواطن التي تستجلب بها الأرزاق ، ويستدفع بها النقم ، ويُعصم بها من الفتن ..

:

:

::

7. سر برها بأمها وتنفيذ نذرها: فأمها لم تشاورها أو تستأذنها حين نذرتها لخدمة بيت الله ، وتلك البارة لم تتمنع عن تنفيذ نذر أمها ، حتى بعد أن كبرت وأبصرت زهرة الحياة الدنيا ، مع علمها أن هذا سيكلفها كثيرا ، ومع ذلك آثرت تنفيذ نذر أمها على متع نفسها .

:

:

::

8. سر الرضا بالقضاء وعدم التسخط من البلاء : عندما أخبرها جبريل بأنه مرسل من عند الله {لأهب لك غلما زكيا } قالت بلسان متعجب مستفهم كيف ذلك ولست بغية وليس لي زوج ؟! فجاء الجواب المطمئن لقلبها { كذلك قال ربك هو علي هين } فكل أمر على الله هين سواء أدركه العقل أو لا ،و سواء وافق سنن الكون ونواميس الحياة أو لا ..

كانت العذراء الطاهرة على يقين تام بأن اختيار الله لها خير من اختيارها لنفسها لذا لم تشجب ولم تولول ولم تندب حظها ، ورضيت عن الله في اختياره لأنه حكيم ، علم أن هذا هو الأصلح لها في دينها ودنياها ..

مع أن مصيبتها التي نزلت بها من أعظم المصائب التي تزلزل كيان العفيفات الطاهرات وتقض مضاجعهن .. والموت أحب لهن من أن يؤذين في أعراضهن ، ويُطعن في طهرهن ونقائهن .. وكم في طيات المحن من منح ، وكم في ثياب البلايا من عطايا .. فمصاب مريم أنجب نبيا من أولي العزم من الرسل أنقذ الله به العباد من الظلال إلى الهداية ..

لايدرك مثل هذه المعاني إلا من كمل يقينه بأن اختيار الحكيم العليم وتدبيره خير له وإن كان في ظاهره شرا .

:

::

9. سر التسليم والانقياد والإذعان لأمر الله : فمجرد أن نطق جبريل بـ { وكان أمرا مقضيا } سلمت لأمر سيدها تسليماً تاماً وأذعنت ، ولم تجادل بعد ذلك ، ولم تستفصل كيف ومتى ، وماذا ، مع أن الأمر خارق للعادة ويستدعي مزيد استفصال، لكن لعلمها أنها إن أرادت تحقيق العبودية التامة فلا اختيار لها بعد اختيار مولاها وخالقها ، ومقتضى محبتها لربها يحتم عليها الإذعان والقبول { وربك يخلق مايشاء ويختار ماكان لهم الخيرة } .

:

::

10. سر الإخلاص وإخفاء الطاعات : انصرفت عن الشهرة وعن أعين الناس حتى عن أعين المقربين لها { فاتخذت من دونهم حجابا } هي لاتطمع لثناء البشر ومدحهم فلا حاجة لأن تظهر لهم عبادتها .. لأنها تعلم أنهم لايملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فضلا عن أن يملكوا لها شيئا ..

سَمت نفسها واجتهدت في أن يُطيب ذكرها بالسماء وتمتدح عند من مدحه زين وذمه شين سبحانه .. فخلد الله ذكرها في كتاب يُتلى إلى قيام الساعة .

:

:

:

هذا بعض ما أخبرنا الله به من أسرار المصطفية مريم عليها وعلى ابنها الصلاة والسلام .

:

أولئك المصطفين الأخيار ..

بينهم وبين الله خبايا وأسرار ..

فاستكثر إن شئت أو استقل فأنت بالخيار ..

ولا مطلع على مافي قلبك إلا الرقيب الشهيد العزيز الغفار ..

ذاك بعض ماجاد به قلم بنت فهد القاسم أبرار ..

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
3 + 5 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
كن فقيهًا إذا دعوت - رشـفـات روح
عينك والعلم - رشـفـات روح