المقال
أهل الفطنة والذكاء والتفكير المنطقي المنظم
2237 زائر
22-06-2013
أبرار بنت فهد القاسم

بينما كنت أقلب قنوات المجد استوقفني مشهد مؤلم ، 18 رجلا في طوافة بحرية تتجاذبهم الأمواج العاتية ، في جو شاتٍ مطير ، يستنجدون دون جدوى...


وبعد طول معاناة ، والرياح تقلبهم في ذلك البحر المتلاطم، وإذ بطيارة مروحية تحلق فوقهم..

استنجدوا ، حركوا أيدهم التي أيبسها البرد ، رفعوا أصواتهم المتجمدة ، أشعلوا إشعاعات معهم ، علهم يُرون في ذلك الجو الغائم المطير..


أخيرا : عُثر عليهم ، وتم انقاذهم..

:

لم تنته الحكاية ،، بل هنا بدايتها ..

:

نُشر خبرهم في وسائل الإعلام .. " سقوط طائرة مروحية في البحر دون معرفة لسبب الحادث"

:

انبرى لهذا الخبر تلك العقول النيرة لكنها لا تعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، وتنافسوا في معرفة سر الحادث، وسبب وقوعه..

:


قام أحد المحققين البريطانين بتتبع الأحداث، وجمع الأدلة ليخرج بنتيجة محققة ..

واصل الليل بالنهار في دراسة جادة، وبحث دؤوب ، في بحر الشمال " مكان الحادث"

وبعد طول تنقيب ، استطاع أن يُخرج الطائرة المتحطمة من البحر ، لكن للأسف ذيلها مفقود..

لم يقر له قرار ، ولم يهدأ له بال حتى .. عثر عليه .. تعلوه آثار حرق!!

:

وبعد فحص دقيق تبين:

أنه مصنوع من الزجاج ، فلما ارتفعت الطائرة في السماء، وتحركت مراوحها اصطدمت بإحدى الغيوم المحملة بالبَرَد ، فتولد احتكاك ، فاشتعلت النار، وأحرقت الذيل فاختل توازن الطائرة ، فاضطر الكابتن للهبوط الاضطراري في البحر لينجو هو ومن معه بأعجوبة.

:

هذه هي النتيجة التي وصل إليها المحقق البريطاني ، لكنه لم يعلنها حتى التقى بالكابتن ودار بينهما الحوار التالي :

المحقق : هل سرحت أو غفوت أثناء القيادة ؟

الكابتن : لا ، أبداً ، كنت في أعلى مستويات التركيز .

المحقق : اشرح لي كيف حصل الحادث ؟

الكابتن : دخلنا داخل الغيمة ثم ظهر برق فانفصل الذيل عن الطائرة ، حينها لم يكن لدي خيار سوى الهبوط في البحر بأسرع وقت حتى لا تنفجر بنا الطائرة.

بعد طول بحث وتدقيق ..

:

عَرض المحقق النتيجة التي توصل إليها على الجامعة البريطانية لتأخذ بعين اعتبارها عند صنع الطائرات تجريد ذيلها من الزجاج ، واستبداله بمواد أخف احتكاكا ، ليضمنوا سلامة الركاب..

:

انتهت القصة باختصار شديد .. وأُعجبت بذكاء المحقق، وبتحليله الدقيق

:

حاولت تلخيص ما قام به في نقاط لأستفيد من طريقة استنتاجه في حل المشكلات التي تواجهني فكانت كالآتي:

1. جمع الأدلة والبراهين .

2. تحديد مكان الحادث وفحصه.

3. التحقق ممن وقع عليه الحادث ربما كان سببا في حدوثه.

4. الخلوص بنتيجة محققة.


:


وأنا أتأمل الخطوات التي قام بها ذاك المحقق البريطاني ، تبادر إلى ذهني أهل العلل لاشتراكهم مع ذاك العقل النيّر*في طريقة كشف العلة:

1.جمع الطرق.

2. تحديد المدار وفحصه.

3. فحص الرواة عن المدار ، قد تكون العلة والخطأ بسببهم.

4.الترجيح والموازنة للخلوص بنتيجة محققة.

:

لله دركم يا أهل العلل ، إن كان عجبي لا ينقضي من فطنة وذكاء ذلك المحقق ، إلا أن إعجابي بأهل العلل أشد .. وفخري واعتزازي بأنهم سلفي.. جعلنا الله خير خلف لخير سلف

:

فذكاء المحقق ساهم في انقاذ حياة الأبدان.

لكن ذكاء أهل العلل ساهم في حياة القلوب والأرواح ، وصيانة الشرع وحفظه من الكذابين الخراصين ، وكيد الكائدين ، وغفلة ونسيان الساهين.

وهم الأسبق في هذا الذكاء والتفكير المنطقي المنظم..

رحم الله علماء العلل وأهله ،ووسع لهم قبورهم ، وحفظ من بقي منهم وأغدق عليهم من فيض جوده وعميم إحسانه ..

:

:

:

* عقله النير لن ينفعه إن مات على كفره ، ثبت الله قلوبنا على طاعته.

:

:

:

هذا المقال كتبته زمن دورة العلل في منتدى صناعة الحديث - سقى الله أيامه بكل خير- جددت ذكره إحدى الأخوات حين أخبرتني بأن هناك من ينصحها بالابتعاد عن علم العلل فلا فائدة من دراسته !!

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 1 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية