المقال
صناعة الفكر - 7
329 زائر
03-06-2013
د. جمال الهميلي

صناعة الفكر- 7

تغذية الفكر -2

يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"هكذا يبين الله شيئاً من قدرته في النبات ، فالماء واحد ولكن الناتج منه يختلف اختلافاً كبيرا ، وهكذا – والله أعلم – الفكر ، فالحياة واحدة والمواقف واحدة والمعلومات واحدة وغالباً متاحة للجميع ، ولكن الاختلاف بين البشر في معالجة هذه المعلومات والتعامل معها يختلف اختلافاً كلياً ، حتى أنك قد لا تجد شخصين يتفقان في تفسير موقف واحد أو التعبير عن قضية واحدة وإن كانا عاشا في الظروف نفسها .

إن هذه القضية تقودنا إلى أمر مهم بل في غاية الأهمية ، وهو :

ما المهارات التي يتعامل معها العقل البشري في معالجته للمعلومات والمواقف ؟

وهل يمكن اكتساب تلك المهارات وتطويرها ؟

هل بإمكاننا توجيه تلك المهارات للخروج بالنتائج المطلوبة ؟

أي أننا نتحدث " مهارات التفكير " ذلك العلم القديم الجديد ، فهو وإن انتشر في الحديث ولكنه قديم قِدم البشرية ، وإليه اشار القرآن الكريم ومارسه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته ، بل ودرّب اصحابه عليه ، ولما كانت " مهارات التفكير " كثيرة ومتنوعة ، فقد صنف فيها الكثير من الغرب والشرق ، ولكلٍ طريقته ، وسنقتصر هنا في تقسيمها إلى نوعين :

  1. 1/ مهارات التفكير الأساسية .

  2. 2/ استراتيجيات التفكير.


ولنبدأ بالحدث عن القسم الأول :

مهارات التفكير الأساسية : وهو مجموعة من المهارات التي تعتبر المنطلق والقاعدة لما بعدها ، والتي يحتاجها كل الناس تقريباً ، فالعاقل هو هو الذي يجتهد في تنميتها لديه وتوظيفها بما لديه ، ومن أهم تلك المهارات :

مهارة الملاحظة :

" يوريكا " كلمة اطلقها ارخميدس قبل أكثر من ألفي عام وهي تعني " وجدتها " وذلك حين اكتشف قانون الطفو العام وحل مشكلة الملك في ذلك الوقت .

لقد كان حل المعضلة عن طريق الملاحظة ، ومثله كثير في الاختراعات والنظريات .

والملاحظة هي أم المهارات ورافدها الأساس ، وهي تعني استخدام حاسة أو اكثر من الحواس الخمس ( النظر والسمع والشم واللمس والتذوق ) في التعرف على خصائص الأشياء أو الحياة.


وثمار هذه المهارة أكثر من أن يحصر فمن ذلك :


استجابة لدعوة القرآن : فكثيرا ما يدعو القرآن الكريم إلى النظر والتأمل ، فمن ذلك " قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وقد جاءت الدعوة إلى النظر في أكثر من عشر مواضع ، وقوله :" أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ " ، وغيرها كثير

ملاحظة العبد نفسه، فقد كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلا لذنبٍ أحدثته ! وكان يستغفر، وربماقام وصلى، فتنكشف له المسألة، ويقول: رجوتُ أني تِيبَ عليّ . فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاء شديداً ثم قال: ذلك لقلة ذنبه، فأما غيره فلا ينتبه لهذا. و قول الفضيل بن عياض :" إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي". وليس المقصود معرفة الذات في الخطاء فقط بل حتى في المواهب والهبات الربانية لك

تحسين العلاقات اقرأ معي هذا الحديث : عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تعرف ذلك ؟ فقال : أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين : لا ورب محمد ، وإذا كنت غضبى ، قلت : لا ورب إبراهيم ) . قالت : قلت : أجل والله يا رسول الله ، ما أهجر إلا اسمك "سبحان الله ، كلمة واحدة لقد كانت ملاحظة النبي الكريم حتى في الكلمات ، فمَن ينتبه لذلك ؟


مهارة الحفظ :

وهي من المهارات المهمة والضرورية لكل إنسان ، فمن اراد الرقي ومعالي الامور فعليه بالحفظ ، فهي أول السلم وبها تُفتح المهارات ، وللأسف فإن هناك من يُقلل من أهمية الحفظ وينظر غليه نظرة احتقار وانتقاص فيقال فلان ببغاء ! وفلان مسجل وما علم هؤلاء أن منطلق العلوم من الحفظ فالعالم الحقيقي هو الذي يحفظ ويعرف كيف يثبت المعلومة ويتدرب على وسائل استدعاءها واسترجاعها عند الحاجة إليها . فلولا الله ثم الحفظ لما وصلنا العلم ، لذا جاء ابو هريرة رضي الله عنه فقال :" يا رسولَ اللهِ، إني أسمعُ منك حديث كثيرًا أنْساهُ ؟ قال : أبسُطْ رِدَاءَكَ . فبسطتهُ، قال : فغرفَ بيديهِ، ثم قال : ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ، فما نسيتُ شيئًا بعدهُ" وهكذا كان أبا هريرة سيد الحفاظ فقد نقل إلينا الآلآف الأحاديث مع أنه جلس مع النبي عليه الصلاة والسلام اربع سنين فقط، فمن نعم الله على العبد ان يرزقه حافظة قوية ثم يوفقه ليستثمرها في الخير ، ومن الغبن أن لا يعرف العبد تلك النعمة ، اقرأ هذه القصة : يقول محمد بن أبي حاتم: قلت لأبي عبد الله كيف كان بدء أمرك قال ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب فقلت كم كان سنك فقال عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأحكم( أصلح) كتابه وقال: صدقت. فقيل للبخاري ابن كم كنت حين رددت عليه قال ابن إحدى عشرة سنة.


مهارة الفهم :

وهي المرحلة الأعلى في سلّم المهارات ، وهي تعني إدراك ما وراء المعلومة أو الموقف والوصول إلى نتائج غير ظاهرة مباشرة .

اسمع :" وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ"وموجز القصة أنه تحاكم صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلاموهكذا يذكر الله امتنانه على عبده سليمان بأنه " أفهمه " ، فالفهم من المهارات الضرورية ، وهي نعمة ربانية – نسأل الله العظيم من فضله - ، لذا جاء عن ابن عباس أنه قال :" أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل الخلاء ، فوضعت له وضوءا ، قال : من وضع هذا . فأخبر ، فقال : اللهم فقهه في الدين. هذا فقط بل إن الرسول الكريم قال :" مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" ، ألا فليبشر من رُزِق الفقه في الدين بأن الله أراد به خير ، والعكس صحيح .

ألا فلنكن على يقين بأن تلك المهارات وغيرها مبثوثة في شرعنا وليست وليدة الغرب ولا شرق ، فعلينا البحث والغوص في كتاب ربنا وسنة نبينا فسنجد الكم الكبير والوفير عن تلك المهارات وغيرها.

اسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وان يرزقنا الاخلاص في الأقوال والأفعال.

وصلى الله وسلُم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. جمال يوسف الهميلي

المدينة المنورة

1434 هـ - 2013 م


[1] سورة الرعد آية 4

[2] وهناك من يقسمها إلى اكثر من ذلك.

[3] سورة يونس آية 101

[4] سورة الغاشية آية ، وقد جاءت كلمة ينظرون في القرآن الكريم اكثر من 25 مرة

[5] البخاري 5228

[6] البخاري 119

[7] أي البخاري

[8] سورة الأنبياء آية 78

[9] تفسير بن سعدي

[10] البخاري 143

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
9 + 4 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية