المقال
صناعة الفكر - 6
2940 زائر
24-05-2013
د. جمال الهميلي

صناعة الفكر - 6

تغذية الفكر - 1

الانسان يمكن أن يموت جسدياً :

ü إذا لم يأكل خلال بضعة عشر يوماً .... أي أن الإنسان لابد له من تغذية

ü أو إذا لم يشرب الماء خلال ثلاثة ايام ..... أي أن الإنسان لابد له من الشرب .

ü أو إذا لم يتنفس خلال دقائق...... أي أن الإنسان لابد له من هواء.

وأظن أن الإنسان يمكن أن يموت فكريا خلال ... ....أي لابد من تغذية الفكر .

وإذا كنا جميعاً نجتهد ونسعى من أجل التغذية الجسدية من المأكل والمشرب ، بل وتفنن فيه البشر من حيث الشكل واللون والطعم والمذاق ، فانتشرت المطاعم بشتى أنواعها ، واصبح أحد معايير الرقي في المجتمعات البشرية ، كما أنه يُدفع الكثير من الأموال في ذلك .

وفي الجانب الآخر ظهر أمر خطير وهو التلوث البيئي ( الغذاء والماء والهواء ..) ، وأصبحت هناك منظمات عالمية وهيئات دولية ومحلية هدفها الأساس المحافظة على البيئة و مراقبة الشركات المنتجة للأطعمة وغيرها مما يعطي مؤشراً واضحا على أهمية الموضوع وخطورته.

والآن لنسأل الأسئلة التالية :

ما مدى أهمية تغذية الفكر ؟ ، وبطريقة أخرى ما ذا لو لم تتم تغذية الفكر ؟ ،

ماذا لو انتشر التلوث الفكري وأصبح وباءاً ؟

ما المنظمات المحلية والدولية التي تسعى في المحافظة على الفكر البشري وحمايته من العابثين به ؟

أيهما أهم التغذية الجسدية أم التغذية الفكرية ؟

إن الموت الجسدي ( غالباً ) ليس سبباً بدخول الجنة أو النار ، لكن الموت الفكري قد يؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة ، ولذا كان من الأهمية بمكان أن تطرح على نفسك السؤال التالي :

كيف أستطيع تغذية فكري ؟

وإذا كان الفكر هو جهد ذهني يقوم به الدماغ نتيجة لمؤثر ما ، فإن تغذية الفكر تكون بركنين اساسيين هما :

1. التزود بالمعلومات : إن الاساس في أي عملية هو المعلومات التي لديك عن هذه العملية ، وكلما كانت المعلومات أكثر واوفر كلما كانت رؤيتك أوسع وأشمل وقرارك أقرب للصواب ومعالجتك أحسن في النتائج والعكس صحيح ، ومن هنا فإن الحرب القادمة هي حرب معلومات ، وعلى مقدار ما تملكه الدولة من معلومات تكون أقرب للانتصار – والله أعلم - .

ولعل هذا أحد الأسرار _ والله أعلم - في وجود الكم الكبير من النصوص الشرعية التي تحث على طلب العلم وترغب فيه ، فالعبد لابد له من علم ومعلومات من أجل عبادة صحيحة ، ومن الملاحظ في حياتنا اليومية أن الإنسان صاحب العلم الكثير يصعب إضلاله كما جاء في الحديث عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : " لَفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشَّيطانِ من ألفِ عابِدٍ"[1] .

ومما يجب التنويه به أنه ليس المطلوب هو جمع معلومات بأي شكل ومن أي مصدر ، وإنما المقصود هي المعلومات التي تنطبق عليها الشروط التالية :

ü معلومات صحيحة ، ولها من الأدلة ما يُثبت ذلك ، وإياك و الاغترا ر بالكثرة ، فليس كل كثرة دليل صحة اقرأ هذه الآية " " وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..[2] ، ولما كانت صحة المعلومة ينبني عليها موقف أو سلوكيات فقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من اتباع الظن أبلغ تحذير فقال " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث " ، وانظر ماذا حصل مع ابليس فقد قال مبررا رفضه السجود لآدم عليه السلام : " قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"[3] ، فقد بنى بأنه خير من آدم عليه السلام على معلومة وهي أن النار خير من الطين ، فمن قال ذلك ؟ وما دليل هذه الخيرية ؟ ، وكم في حياتنا من مواقف وقرارات نعملها بناءأ على ما وصلنا من معلومات ثم نندم بعد أن يتضح لنا أن المعلومة غير صحيحة أو ليست بالصورة التي وصلتنا

ü سلامة المصدر: " إنَّ هذا العلم دينٌ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم "هكذا قال الإمام محمد بن سيرين ، فهذا الكلام وإن كان خاصاً بالعلم الشرعي ولكنه منهجاً يجب تطبيقه في كل المعلومات نظراً لما يعتمد عليها بعد ذلك ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم ،فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم هلكو" وهذا ما استشفه من مشكاة النبوة فقد قال صلى الله عليه وسلم :" إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال ، يستفتون فيفتون برأيهم ، فيضلون ويُضلون" [4] ، وهكذا حين يختل المصدر ( العلماء ) تختل المعلومات فالنتيجة الحتمية هي الضلال والإضلال.

ü مناسبة : فليس كل معلومة مناسبة لكل فرد وفي كل زمان وفي كل مكان ، فما يناسب الصغير لا يناسب الكبير والعالم غير الجاهل ، وما يصح أن يُقال الآن قد لا يصح بعد زمن ، اسمع قول علي رضي الله عنه :" حَدِّثوا الناسَ، بما يَعْرِفونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسولُهُ "[5] ، فهذا يعالج قضية النظر إلى المستمع أو الملتقي ، ومعيار آخر وهو خطورة المعلومة وعدم مناسبتها لظرف معين ، ومنه قول أبي هريرة رضي الله عنه :" حفظتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعاءَيْنِ : فأما أحدُهما فَبَثَثْتُهُ، وأما الآخَرُ فلو بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلْعومُ ."[6] ، ومعيار آخر وهو نتائج انتشار هذه المعلومة ومنه حديث :" أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، ومُعاذٌ رَديفُهُ علَى الرَّحْلِ، قال : يا مُعاذَ بنَ جبلٍ . قال : لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ وسعدَيكَ، قال : يا مُعاذُ . قال : لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ وسعدَيكَ، ثلاثا، قال : ما من أُحُدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ اللهِ، صدقًا من قَلْبهِ إلا حرمهُ اللهُ على النارِ . قال : يا رسولَ اللهِ، أفلا أُخبِرُ به الناسِ فَيَسْتَبْشِروا ؟ قال : إذًا يَتَّكِلُوا . وأخبرَ بها مُعاذٌ عِندَ موته تأثُّمًا [7].لقد أخّر معاذ رضي الله عنه بث الحديث إلى حين وفاته، خوفاً من إثم كتم العلم ، والعاقل هو الذي ينظر في حاله ويعرف زمانه فيأخذ من العلم ما يناسبه ويتدرج بالمعلومات بحسب ما يوافقه ، هذا ليس خاصاً بالعلم الشرعي فقط ، بل في عموم العلم ، فأهل التربية متفقون على ضرورة مراعاة حال المتعلم ومدى مناسبة المعلومة له ، لذا فإن بناء المناهج يكون متسلسلا ومتدرجاً بحسب المتعلم ولا يعطى المتعلم فوق مستواه ، واقرأ معي هذه الآية : " وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ"[8] إن من معاني الربانيين أنهم يربون الناس بصغار العلم قبل كباره.

أما الركن الثاني في تغذية الفكر فهو :

2 . معالجة المعلومات : وتلك قضية مهمة وحيوية ويتفاوت فيها الناس كثيراً ، وعلى العبد السعي في تكوين المهارات الفكرية لديه ليستطيع تغذية فكره بصورة ممتعة ، وهذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم – بإذن الله –

اسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وان يرزقنا الاخلاص في الأقوال والأفعال.

وصلى الله وسلُم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. جمال يوسف الهميلي

المدينة المنورة

1434 هـ - 2013 م

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
1 + 6 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية