المقال
صناعة الفكر - 5
2206 زائر
14-05-2013
د. جمال الهميلي

صناعة الفكر 5

الحمد لله الخالق القاهر والصلاة والسلام على النبي الظاهر وعلى آله وصحبه الأطهار وعلى السائرين على طريقهم إلى يوم القرار ، وبعد

فهاهو الجزء الخامس والأخير من صناعة الفكر، فبعد أن أدركنا أهمية الفكر وكيفية بناءه لابد من تبيين مزالقه ومخاطره ، وهي عديدة وسنذكر أهمها :

1 / اللامحدودية : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كنتُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حرثٍ بالمدينةِ، وهو يتوكأ على عسيبٍ، فمر بنفرٍ من اليهودِ، فقال بعضهم : سلوهُ عن الروحِ، وقال بعضهم : لا تسألوه، لا يُسمعُكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا : يا أبا القاسمِ، حدِّثنا عن الروحِ، فقام ساعةً ينظرُ، فعرفتُ أنه يوحى إليه، فتأخرتُ عنه حتى صعِدَ الوحيُ، ثم قال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي"[1] إنها الآية الوحيدة في القرآن التي أحالة الإجابة إلى "ربي"، ولعل السر - والله أعلم – أن أمر الروح من شأن الله وحده ، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولا يمكن أن يدرك العقل البشري مهما كان لديه من علم ومعرف ومهارات ومن هنا كانت تتمة الآية " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا " فكل ما لدى البشر من علم في القديم والحديث والمستقبل إنما أُتوه من الله وهو قليل أمام علم الله ، فعلى العبد أن يعرف حدود عقله فلا يتصور أنه قد حاز العلوم كلها ، ولما كان مصدر العقل هو الحواس وهذه الحواس( السمع والبصر و..) محدودة فكذلك العقل فهو محدود ، فلا تجهد نفسك فلا تجاوز حدودك ولا تضيع وقتك فيما لا تستطيعه ، وعلى المنوال نفسه جاء الحديث " تفكروا في آلاء الله ، و لا تفكروا في الله "[2] ، فلكي تستمع بعقلك تعرف على حدوده و لا تطلب منه ما لا يستطيعه فتقحمه فيما لا سبيل لمعرفته بالعقل فـ «العلم ثلاثة أنواع :

أحدها : هو الذي يُعرف بالعقل

و الثاني : المعرفة التي لا تحصل إلا بالسمع .

والثالث : ما لا سبيل إلى معرفته لا بعقل و لا بسمع »[3]

و أيضاً ليس كل أمر يمكن تصوره بالعقل، ومن هنا كان قول الله تعالى في الحديث القدسي :" أعددت لعبادي الصالحين : ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر"[4] فمن النعيم الحصول على ما لا يخطر عليك فضلاً أن تدركه في الحياة الدنيا،فنسأل الله الكريم من فضله .

ومن صور الأمر بالوقوف عن التفكير وعدم الاسترسال قوله صلى الله عليه وسلم : " يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقولُ : مَن خلَق كذا ، مَن خلَق كذا ، حتى يقولَ : مَن خلَق ربَّك ؟ فإذا بلَغه فلْيَستَعِذْ باللهِ ولْيَنتَهِ ."[5]

2 / الرفض : فلا قبول إلا بقناعة، مهما كان المصدر ومهما كانت المعلومة ، فما لا يدركه بعقله يرفضه أو يحاول تحويره وتحويله إلى ما يقبله ، " فلا أتحجب حتى اقتنع " و " لا اترك مشاهدة الحرام الفلاني حتى تقنعني " والقناعة مطلب بلا شك ولا اعتراض للسعي من أجل القناعة ، ولكن ربط القبول من الله بالقناعة هو المزلق ، فخالق العقل هو الأعلم به " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)"[6] فكل ما جاء منه فيجب قبوله حتى لو لم يقتنع العقل بذلك فالعقل محدود قلا يحيط بكل شيء ولا يعلم بكل شيء فيُسلِّم بالخالق والعالم والمدبر والرحيم والحكيم ، ووصل المزلق إلى درجة أننا سمعنا من يشكك أو يرفض قبول بعض الأحاديث الصحيحة والصريحة مثل قوله عليه الصلاة والسلام :" إذا وقَع الذُّبابُ في شَرابِ أحدِكم فلْيَغمِسْه ثم لْيَنزِعْه ، فإنَّ في إحدى جَناحَيه داءً والأخرى شِفاءً "[7]وعلة الرفض أن هذا غير مقنع لأن العلم الحديث لم يُثبت الداء والدواء في جناحي الذباب ، ويلجأ فريق آخر إلى التشكيك في صحة الحديث وليس في كلام البشير النذير ، وهناك مَن يتوقف عن التصديق بذلك حتى يُثبت ذلك العلم الحديث، كما أصبحنا نسمع ونقرا من يرفض التصديق في عذاب القبر ونعيمه والعلة لديه أننا لو فتحنا قبراً فلا نرى شيئاً من ذلك، أي أننا لم ندرك ذلك بحواسنا.

ومثل أولئك لم يدركوا حقيقة ما لديهم من نِعم، فهناك الكثير مما يؤمن به البشر ولم يروه ولم يدركوه فالكل يعرف النوم ويدركه، والكل يؤمن بالموت ووقوعه وهذه وتلك لم يعرف حقائقها البشر حتى الآن، فهل نرفضها حتى إثباتها من البشر، ثم أمر آخر وهو إن الحديث عن الخالق لا يُماثله الحديث عن المخلوق وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى القاعدة الذهبية في ذلك حيث قال " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"[8] ، فهو سبحانه ليس كمثله شيء في كل شيء ، وأمر أخير في هذه القضية اقرأ قوله تعالى: " .ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.."[9] فأول صفات المتقين الإيمان بالغيب فبدأ به كونه مفتاحاً لما بعده – والله اعلم -.

3 / التعميم : من أخطر القضايا التي ينزلق فيها الفكر هي التعميم المبني على موقف أو كلام أو حدث، وينسى أن لكل موقف ظروفه ولكل إنسان خصائصه ولكل كلام مبرراته ، وما ينطبق على ذلك الموقف أو الشخص لا ينطبق على غيره ، وان الاشتراك بين البشر في صفة أو جنس أو لون أو جنسيه لا يعني التطابق ، خاصة حين يتعلق الأمر بقضية خطيرة أو بأناس كثيرون ( ربما ملايين ).

إن التعميم ينافي العدل ، فلا ينبغي أن يُأخذ احد بجريمة غيره ، فلا تُسلب منه الخيرية بسبب سوء أقرانه في اللون أو الجنس أو البلد، وفي المقابل لا يُعطى الخيرية كون غيره من بني جلدته أو شكله من الخيرين ، فلا إفراط ولا تفريط وإنما تدريب الفكر على العدل والوسطية والتريث والتأني .

وأفضل ما يمكن عرضه كنموذج لذلك العدل هو القرآن الكريم وسيرة السلف الصالح ، فاستمع إلى القرآن وهو يتحدث عن الشعراء فيقول تعالى : "وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)" وحتى لا تدخل في دائرة التعميم فتظلم بعض الشعراء قال تعالى بعدها مباشرة :"إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا .."[10] ، وكذلك " لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ" ثم قال "إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.."[11]، وحين تحدث عن أهل الكتاب قال :" وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.."[12]فلا تعميم على أهل الكتاب . والتعميم له عدة صور فمن صوره التعميم بالحكم على شخص ما بالصلاح أو بعكسه بمجرد رؤيته الظاهرة، وتأمل معي هذا الحدث : " أن رجلًا على عهدِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام كان اسمُه عبدَ اللهِ، وكانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وكان يُضحِكُ رسولَ اللهِ ، وكان النبيُّقدْ جلَدَه في الشَّرابِ، فأُتيَ بهِ يومًا فأمَرَ بِهِ فجُلِدَ، فقال رجلٌ مِنَ القَومِ : اللَّهُمَّ العَنْهُ، ما أكثَرَ ما يُؤتَى بهِ ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تَلْعَنُوه، فواللهِ ما عَلِمْتُ إلَّا أنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه[13]) ، ألا ما أعظمك يا رسول الله! تلك هي النفوس الكبيرة والعظيمة تنظر بشمولية وتبحث عن الجمال لا عن الكمال، وسار صحابته من بعده على هذا المنهج وإليك هذا الموقف : قال رجل لعمر بن الخطاب إن فلانا رجل صدق فقال له هل سـافرت معه؟ قال لا. قال: فهل كانت بينك وبينه معاملة؟ قال لا. قال فهل ائتـمنته على شيء؟ قال لا. قال فأنت الذي لا علم لك به أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد. "[14] ، فلا تعميم على الرجل بمجرد رؤيته يصلي في المسجد.

لقد وهبنا الله قدرات وملكات عقلية من أجل توجيهها واستثمارها على أمثل وأمتع صورة ،ومتى ما حادت عن الطريق وسلكت غير طريق رب العالمين فلا تنتظر منها إلا الشوك والحنظل في الدنيا قبل الآخرة .

حين نشتري أجهزة فنحن على يقين أن أفضل طريقة للحصول إنتاجها هو وفق وصفة ( كتالوج ) صانعيها حتى لو كنا غير مقتنعين بما في تلك الوصفة لعلمنا بأنهم اعلم و وأخبر ، فكذلك – ولله المثل الأعلى – الإنسان عليه الرجوع إلى صانعه والتعرف على المنهج المناسب للحصول على أفضل وأجمل واسعد حياة لهذا المخلوق.

فهل سيقبل عقلك ذلك ؟

هكذا نكون قد صنعنا فكرنا الذاتي، بقي كيف يمكن السيطرة على الآخرين وتسييرهم وفق فكر معين ، فهذا له شأن آخر سنرجئه إلى المستقبل - بإذن الله _.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. جمال الهميلي

المدينة المنورة

06 / 02 / 1434 هـ - 2012 م


[1] سورة الإسراء آية 85 رواه البخاري 7297

[2] الحديث "حسن " صحيح الجامع الصغير للألباني 2975

[3] درء تعارض العقل مع النقل لشيخ الاسلام ابن تيمية ج 9 ص 8

[4] رواه البخاري 4780

[5] رواه البخاري 3276

[6] سورة الملك

[7] رواه البخاري 3320

[8] سورة الشورى آية 11

[9] سورة البقرة آية 2-3

[10] سورة الشعراء آية 227

[11] سورة النساء آية 114

[12] سورة آل عمران آية 75

[13] رواه البخاري 6780

[14] هذا الأثر له أكثر من طريق ، وقد خرَّج الشيخ الألباني رحمه الله طريقاً لهذا الأثر ومالَ إلى تصحيحه.

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 4 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية