المقال
صناعة الفكر -4
2223 زائر
14-05-2013
د. جمال الهميلي

صناعة الفكر -4

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اقتفى .. وبعد ،

فتتمة لبناء فكري ، وكما وعدناكم في الحلقة السابقة فإنا سنتحدث عن

4/ ارفع الأسوار : مثلث صحة الأبدان هو : التغذية والحمية والاستفراغ، وقد أشار ابن القيم إلى أن صحة القلوب مشابهة لصحة الأبدان فلابد من تغذية القلب وحمايته وتنقيته، وأظن – والله أعلم – أن صحة الفكر لها المثلث نفسه : التغذية والحماية والتنقية .

وتزداد أهمية الحمية الصحية في بعض الحالات الخاصة ( كالمريض ) أو الحالات العامة ( كانتشار بعض الأمراض الأوبئة ، و كلما كانت الحالة أشد كلما كانت الحمية أهم، حتى ظهر نوع جديد من الطب يُسمى " الطب الوقائي "، وهو مجموعة من الإجراءات الفردية والجماعية الهدف منها الوقاية من المرض قبل الإصابة به .

والحماية الفكرية ليست أقل أهمية من الحماية الصحية، بل إني أظن أنها أهم لأن فقدان الحماية الصحية ربما يؤدي إلى الموت الجسدي على أسوء حال مع محافظته على دينه، لكن فقدان الحماية الفكرية يعني الإصابة بالأمراض الفكرية والتي ربما تؤدي إلى الخروج من الدين وخسارة الدنيا والآخرة فضلاً عن سعيه في نشر سموم ( فيروسات ) أمراضه الفكرية في أوسع مجال.

والأمة مطالبة بأن يكون لها حمية وقائية فكرية كما في الطب الوقائي، وإلى أن يتم ذلك على العاقل أن يجتهد في حماية فكره ووقايته بأسوار وليس بسور ، وعليه في هذا الزمن بالذات رفع الأسوار لعدة أسباب :

1-نمو المعلومات على مستوى العالم فـ : "المعلومات في العالم تنمو بنسبة تفوق الضعفين كل عامين"[1] ." والمعلومات الرقمية تتضاعف كل 11 شهر "[2] ، و" حجم البيانات في العالم مرجح إلى أن يتضاعف 44 مرة خلال السنوات القليلة المقبلة فقط"[3].

2-الإغراق في البث الفضائي ، فعدد القنوات الفضائية ما يقرب من 60 ألف قناة فضائية "[4] ، أما عدد الإذاعات ففي العالم، 25 ألف محطة حسب إحصائية 2008م[5] .

3-تزايد عدد الصحف والمجلات الورقة والالكترونية ففي شبة القارة الهندية فقط أكثر من 82 ألف صحيفة [6].هذا عدا الإعلام الجديد ومواقع الانترنت والتي تتكاثر يوميا بشكل يصعب حصره.

ونتيجة لذلك أصبح الإنسان يتلقى يومياً كما هائلا من المعلومات والأخبار من مختلف المصادر والأماكن والتي تحمل الغث والسمين والجميل والقبيح والصحيح والخطأ، وهذه بدورها تسهم في تشكيل فكر الإنسان وبناء شخصيته، لقد أصبحنا نسمع ونرى لوثات فكرية لم نكن نتوقع أن تكون في مجتمعاتنا، فالحديث عن " الشذوذ " و" الفاحشة " و " مقارفة المنكرات " لا على أنه منكر بل على أنه "حرية شخصية " و " حق إنساني " ، بل وصل الأمر إلى التطاول على الذات الإلهية والإلحاد وعن ثوابت شرعية معلومة من الدين بالضرورة .

ومن أجل ذلك ينبغي وضع أسوار عملية للحماية الفكرية ومن هذه الأسوار:

السور الأول : ابتعد : عدم التعرض إلى الشبهات والابتعاد عنها وعن أصحابها استمع إلى قوله تعالى : " وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) [7] وقوله " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) "[8]

وتأمل هذا الموقف : أتى عمرَ بنَ الخطابِ النبيَّ عليه الصلاة والسلام بكتابٍ أصابه من بعضِ أهلِ الكتابِ فقرأه على النبيِّ قال فغضب وقال أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابنَ الخطابِ لقد جئتُكم به بيضاءَ نقِيَّة ..والذي نفسي به لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وَسِعَه إلا أن يَتَّبِعَني.[9] ومعنى " أَمُتَهَوِّكون" أي أمتشككون أو متحيرون، وسعي العبد لمصدر آخر دليل على شكه في المصدر الأول ولو بنسبة ضئيلة .

ومن المهم التنبيه هنا على أن الرد على الشبه وبيان بطلانها واجب ، بل من أولى الواجبات، ولكن ليس لكل أحد وإنما هو لأهل العلم والدراية والتمكن، فلا يكفي سلامة النية والرغبة في الرد على أهل الباطل، بل لابد مع ذلك من العلم الراسخ حتى لا تكون ضحية للشبهات أو ربما تقع الشبه في قلبك ما لا يقع ردها.

وإن قدّر الله وتعرضت لها فعليك بأهل العلم وعدم ترك مساحة كبيرة لها فالوقت قد يكون سبباً في تجذرها ورسوخها في القلب ، كما في الحديث :" أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا.."[10] فعليك بمنهج معرفة الحق و تجنب منهج سماع الشبهات والرد عليها فالسلامة لا يعدلها شيء.

السور الثاني : ميّز : إذا لم يمكنك الابتعاد فعليك بالتمييز وبمعنى آخر لا تكن أُذن " وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)"[11] والأُذن هو الذي يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب ، وعليك بالتمييز بين ما يقبل وما لا يقبل وبين ما يصدق ومالا يصدق وبين الصدق والصادق والكذب والكاذب، والتمييز بين الحق والباطل إنما يكون بالإيمان والعلم الصحيح والعقل الفصيح ، أي أنك تحتاج إلى مرشحات ( فلترات ) لما تسمع وترى ، وكلما كانت هذه المرشحات دقيقة وسليمه كلما كان الترشيح والنقاء للمنتج أفضل والعكس صحيح .

السور الثالث : لا تسمع بلسانك : فإذا كان السور الثاني يتحدث عن القبول ، فهذا السور يتحدث عما بعد القبول، ولكن هل يسمع الإنسان بلسانه ؟ حين أنزل الله براءة عائشة مما اتُهمت به في حادثة الإفك المشهورة، كان مما قاله سبحانه :" إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ.."[12] ، وهو يعني أنه تلقى الخبر بأذنه و تحدث به بلسانه دون المرور على عقله وفكره، ولو أمعن وتفكر قليلاً لكن له رأي آخر، ومن هنا قال الله تعالى بعدها : " وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)[13]، نعم والله لو فكرنا قليلاً لكن مجرد التفكير في الاتهام بهتان عظيم فكيف بتقوله ونقله والحديث عنه ؟ ونظرا لخطورة الكلام والنقل دون تثبت كان حديث الحبيب عليه الصلاة والسلام : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع "[14] وفي رواية إثماً بدل كذباً[15] ، بل جاء وعيد شديد في ذلك فقد قال " وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا ، يهوي بها في جهنم "[16] وفي رواية " وإنَّ الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ منْ سخطِ اللهِ تعالى ما يظنُّ أنْ تبلغَ ما بلغتْ ؛ فيكتبُ اللهُ عليهِ بها سخطَهُ إلى يومِ القيامةِ"[17]، لاحظ كلمة " لا يلقي لها بالا " ففيه إشارة إلى عدم التفكير والتأني ، فليست القضية أنه تكلم بكلمة ولكنه تكلم دون تمعن وعدم مبالاة ، ومن المعروف أن الإنسان إذا تحدث في قضية فهذا يهني تبنيه للفكرة التي تحدث بها ( غالباً ) وكما يُقال " الكلمة تملكها فإذا تحدثت بها ملكتك" ويقولون أيضا " الرجوع للحق فضيلة " لأنه يصعب على النفس قبول الرجوع .

وهكذا تكون الأسوار الثلاثة ( أمت ) هي الواقية – بإذن الله – فعليك بالعناية بها وترميمها ورفعها ، وقبل هذا وذاك عليك بالاتصال بالواحد القهار العزيز الغفار فهو نعم المعين .

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وثبتنا على الحق حتى نلقاك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. جمال الهميلي

المدينة المنورة

01 / 02 / 1434 هـ - 2012 م



[1] نتائج دراسة أجرتها مؤسسة آي دي سي عن التكنولوجيا الرقمية http://www.masress.com

[2] http://www.zdnet.com

[3] صحيفة الرأي http://www.alraimedia.com

[4] ووفقاً لتقرير أذاعته محطة (يورو كنسلت) الإذاعية الأوروبية ) http://www.al-jazirah.com.sa

[5] http://myinterradios.blogspot.com

[6] تقرير هيئة تسجيل الصحف" في الهند من جريدة الخبر http://www.alkhabar.ma

[7] سورة النساء

[8] سورة الأنعام

[9] رواه ابن كثير في البداية والنهاية 2/122 وقال إسناده على شرط مسلم وحسنه الألباني في تخريج كتاب السنة ص 50

[10] صحيح البخاري 2965

[11] سورة التوبة . قال ابن كثير " قال الله تعالى: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب، { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: ويصدق المؤمنين، { وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } أي: وهو حجة على الكافرين

[12] سورة النور آية 15

[13] سورة النور

[14] صحيح الجامع الصغير للألباني 4482

[15] صحيح أبي داود للألباني 4992

[16] رواه البخاري 6478

[17] صحيح الترغيب والترهيب للألباني 2247

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
8 + 8 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية