المقال
كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات ؟! - 2
8733 زائر
23-04-2017
أ.د. خالد الدريس

كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات ؟ ( 2)

" كن غامضاً ":

:

يُروى أن لغوياً متنطعاً سأل خادمه سؤالاً غامضاً ، فقال : يا فلان " أصَقَعتِ العتاريف ؟ " .

فلم يفهم الخادم شيئاً من هذا السؤال العجيب ، فأراد أن يعامله بالمثل فقال له : " زقـفـيلم " .

فقال اللغوي : وما "زقفيلم" ؟

قال الخادم : وما معنى صقعت العتاريف ؟

قال قلت لك : أصاحت الديوك ؟

قال الخادم : وأنا قلت لك لم يصح منها شيء .

هذه الطرفة تكشف عن حقيقة أن خلل ( التعالي باللغة ) يعتري تكوين بعض الشخصيات المهزوزة في ثقتها بنفسها ، وهذا الاضطراب النفسي كان قديم الوجود في البيئة الثقافية والفكرية كما توحي الطرفة الآنفة .

:

تحدث عن أوضح نقطة بأعقد لفظة !

وهذا هو الضلع الثاني في (مثلث التمرد الفكري):كن غامضاً وتحدث عن أوضح النقاط بأعقد الألفاظ ، كما هو حال الكثير من المتسلقين الجدد على أسوار الفكر ، الذين يرون أنه لا يمكن تحقيق أي مكانة في عالم الثقافة بلا استعمال لغة معقدة كما استعملها بعض الفلاسفة ، وهذا ما جلب الكثير من السخرية لحال هؤلاء " البراعم الجدد " المشترطين لتميزهم الفكري أن ينعكس في تعبيراتهم الغامضة وأساليبهم الوعرة ؛ أسوة بقدواتهم من المتفلسفة .

:

التأسي بغموض الفلاسفة المحترفين !

يتعمد بعض المفكرين والفلاسفة استعمال العبارات " غير المفهومة " أو المصطلحات المتخصصة سعياً منهم لإيصال رسالة إلى القارئ بأن طرحهم من العمق والتعقيد ما يجعل فهم كتاباتهم من ضروب المستحيل إلا على المحترفين المتخصصين ، وقد كشف " نيغيل واربورتون " في كتابه " الفلسفة – الأسس " هذه الحقيقة بعد أن أكد أن الفلاسفة يستعملون في كتاباتهم الكثير من المصطلحات " غير الضرورية " وبلا أي هدف علمي ، ويقول في ذلك ( ص 21) : ( يميل الفلاسفة المحترفون إلى استعمال المصطلحات المتخصصة من دون أي هدف ، فيستعمل عدد منهم العبارات اللاتينية ، حتى لو كان هناك ما يكافئها من العبارات الانكليزية القادرة على إيصال المعنى ).

وهذا تماماً ما تقوم به " البراعم المتمردة " ، يستعملون " العبارات اللاتينية " ليضيفوا هالة من الغرابة والغموض المعقد على كتاباتهم وأحاديثهم .

:

قاموس " الغموض " السريع للبراعم الجدد !

ولهذا تُوجه الوصية إلى (البُرعم " المُدرعِم ") في عالم الفكر حديثاً ، بهذه الطريقة : إن شئت أن تسير على خطى أولئك القدوات من أساتذة الفلاسفة ، فعليك بنهجهم ، وإليك نصيحة تضفي عليك سمات المفكر المتمرد في سويعات :

لا تقل : تربوي ، قل : بيداغوجي .

ولا تقل : غيبي ، قل : ميتافيزيقا .

ولا تقل : المتعاليات ، قل : الترانستدالي .

ولا تقل : تفكير مغلق ، ولكن قل : دوجماطيقي (دوغمائي) .

ولا تقل : الفهم ، قل : الهرمينوطيقا .

ولا تقل : الجمال ، قل : الاستطيقا .

ولا تقل : اجتماعي ، قل : سيسولوجي .

ثم لا بأس من (حزمة عبارات) لإكمال مظهريتك الفريدة من قبيل: اللوغوس ، الكاوس ، الإمبريقي ، فينومولوجيا ، ميثادلوجيا ، الكولينالية ، الإمبريالية ، الكوسمولجيا ، وأركولوجيا ، والماضوية ، والإنسانوية ، والإرثوذكسية الكهنوتية .. الخ

وكن كما يقول إخواننا المصريون : ( فتح عينك .. تأكل ملبن ) .. ( وطلب الرزق .. يحب الخفية ) يا خفيف .. فليس هناك أسرع من هذا المسلك لتكون مفكراً متمرداً مختلفاً يُدهش السذج بسرعة البرق !

:

تكلم بلغة " المشعوذين " !

وقد ذكر " كولن ولسون " في كتابه " ما بعد اللا منتمي " ( ص 68 ) هذا النص الطريف ، مما يؤكد شيوع هذا البلاء اللغوي :

( كتب " براند بلا نشهارد " قطعة رائعة هاجم فيها الأسلوب " الهيجلي " في التعبير : أن تقول بأن " الميجر أندريه " قد " شُنق" فهذا واضح وغير قابل للمناقشة [ والميجر رتبة عسكرية تساوي العقيد أو المقدم في البلاد العربية ]

أما أن تقول : بأنه " قُتل " فهذا أقل وضوحاً ويُسبب جدلاً لأنك لا تدري بأية طريقة قُتل ؟

وأن تقول : بأنه " مات " فهذا غير واضح وضبابي ؛ لأنك لا تعرف هل كان موته بطريقة وحشية عنيفة ، أم في حالة طبيعية ؟

وإذا أردنا أن نأخذه كأنموذج ، ونسأل الكُتاب أن يكتبوا جملة عنه ، فسنرى " سويفت " و " ماكولي " و " شو " يكتبون بكل بساطة بأنه قد " شُنق " ، و" بردالي " سيكتب : بأنه قد " قُتل " ، و" بوسنا كيت " سيكتب بأنه قد " مات " .

أما " إيمانويل كانت " فسيكتب : بأن وجوده اللا خالد قد جذب نهايته !

أما " هيجل " فسيكتب هذه الكلمات : صَمّمت الأبديةُ المطلقةُ على أن تَحد من استمرار مستقبله ؛ فسلبته وجوده ! ) .

وبهذا يخيل للقارئ أن المعنى الذي يريده " هيجل " أو " كانت " في غاية العمق والتعقيد ، بينما واقع الحال أن الموضوع برمته يمكن إيجازه في عبارة : الرجل " شُنق " !

فيا للسخرية كم كانوا بارعين ولكن في تصعيب العبارات الواضحة ، وكم كانوا حاذقين ولكن في تعقيد الأساليب الناصعة الجلية .

ولهذا كان " شوبنهاور " يقول عن " هيجل " بسبب ذلك الأسلوب المعقد الغامض : إنه ( دجال مشعوذ ) إشارة إلى أن المشعوذين عادة يستعملون عبارات " عالم السحر " غير المفهومة ، وكذا الفيلسوف " كارل بوبر" شن هجوماً لاذعاً على "هيجل " وأضرابه من أصحاب التعقيد والغموض.

:

سنتان ولم يفهم الأستاذ شيئاً !

ومصداق هذا التعقيد في العبارات الفلسفية عند هيجل على سبيل المثال ما وقع بالفعل لأستاذ الفلسفة في الجامعات العربية الدكتور إمام عبدالفتاح إمام المتخصص في فلسفة " هيجل " وأهم مفكر عربي ترجمها وقدمها للقراء العرب فقد قال في كتابه : " تجربتي مع هيجل " (ص 24) وهو يتحدث عن رسالته في الماجستير : ( وشرعتُ في قراءة نصوص " هيجل " لمدة عامين دون أن أفهم شيئاً ، ولجأت إلى التفسيرات والشروح ، ولكني لم أتقدم خطوة واحدة ) ثم وضح سبب الصعوبة تلك فقال : ( ولم أتبين وقتها أن " هيجل " كأي فيلسوف عظيم له مصطلحاته الخاصة ، وأنه قد نحت لنفسه مصطلحات جديدة من ناحية ، وحوّر في معاني المصطلحات القديمة لتناسب أغراضه الفلسفية من ناحية أخرى ) ، ويأتي د. إمام في ( ص 49 ) ليستعرض مثالاً على الأسلوب الغامض في استعمال المصطلح الهيجلي الواحد فيقول : ( تسعة مصطلحات يمكن أن نذكرها تحت فكرة الوجود ، وهي تترجم على النحو التالي : الوجود – الوجود الآخر – الوجود في ذاته – الوجود للذات – الوجود المتعين – الوجود المتعين بما هو كذلك – الوجود المتعين بصفة عامة – الوجود الفعلي – الوجود بالفعل .. )

قد نتفهم أسباب غموض التعبير عند فيلسوف كـ " هيجل " لكن كيف سنتفهم الأمر عند " البراعم " الذي لم يكمل الكثير منهم قراءة فصل من كتاب لهيجل ، أليس الأقرب للاحتمال أن استعمال الأسلوب الغامض بما فيه من مصطلحات غير متداولة يمنحهم شعوراً بالتعالم وإدهاش غيرهم ، ثم أليس التوجه لهذا الأسلوب يساعد على إمدادهم برغبة الظهور على أنهم من المختلفين عن أقرانهم فكراً وثقافة .

:

برجوازية الانتجلنسيا !

والأدهى أن ذلك التعقيد اللفظي يعزز لديهم مشاعر التقزز من مجتمعهم ، بل الامتلاء " بالقرف " من عموم الناس كما يظهر في فلتات ألسنتهم وشذرات من كتاباتهم ، يريدون أن يقنعوا أنفسهم بأنهم الأفضل ، فهم ليسوا " من الجمهور " ، إنهم " نخبة " متعالية مثقلة بالغرور والترفع .

ولو شئنا أن نستعير لغتهم المتعالية بكلمات ساخرة لنصف حالهم ، لقلنا : إنهم شريحة " برجوازية من طبقة الانتجلنسيا =( المثقفين ) يتسمون بالذوات المتضخمة " تجاه الهموم الشعبية "البروليتارية " = الطبقة الكادحة .

:

هل أنت من القطيع ؟!

والعجيب أنهم يرفعون عقيرتهم مطالبين بالديمقراطية والمشاركة الشعبية والمساواة بين البشر ، وضرورة احترام الإنسان مهما كان أصله أو فكره ، ومع ذلك يصفون تفكير مخالفيهم بـأنه من مخرجات ( عقلية القطيع ) ، فهل الناس في نظرهم قطعان ماشية ؟! أين كرامة الإنسان عندهم ؟

:

عنصرية تسكن في الأعماق !

إنهم يتصرفون بمثل هذه السلوكيات النخبوية المترفعة ، وكأنهم من طبقة اجتماعية عُليا ذات دماء زرقاء مختلفة عن دماء عموم الناس ، ولهذا بدأنا نطالع قول بعضهم : أي شيء تقبله أغلبية المجتمع يجب أن تتشكك في جدواه ، وهذا حكم جائر ينضح بفوقية مغرورة تدل على النقص المركب في شخصية قائله ، فالمفترض أن الحكم الموضوعي المتوازن تضبطه مقاييس دقيقة مبنية على مبادئ سليمة لمحاكمة الأفكار وتحديد ما يقبل منها وما يرفض ، وليس على مقياس سطحي كمقياس خالف الأكثرية !

:

هذه المقولة تتسم " بالمراهقة الفكرية " ؛ لأنها تقبل السهل المريح فكرياً من خلال تحديد موقفها من الأشياء بسذاجة هذا التصنيف التعيس ؛ إنه مقياس سطحي للغاية يحجب عن المغتر به كثيراً من الحقائق بسبب هذا التكبر المنفوخ .

إن هذه التصرفات لدى هؤلاء " البراعم " لشاهد واضح على أن " عنصرية " مقيتة تسكن في أعماقهم !

:

ولذا أقول : حتى المعرفة توجد فيها تلك " العنصرية الطبقية " المنفرة ، التي تؤدي بمن ساكنته أن يحتقر غيره ويسخر منه بتعبيرات من قبيل ما يطلقونه على مخالفيهم كعبارات : هم فائض بشري ، أو عالة على الكون ، أو يجب تطهير الوجود منهم ، يا لحقارة فكر " إنسان الجموع " ... الخ

:

في الحلقة القادمة وهي الأخيرة إن شاء الله سنكشف ما تبقى من زيف " البراعم الجدد " خاصة في المضلع الثالث من مثلث التمرد الفكري ، وهو : كن نسبياً ، فماهي نسبيتهم ، وماذا تقدم لهم ؟

   طباعة 
3 صوت
                                       التعليقات : 4 تعليق
« إضافة تعليق »

14-05-2013

(غير مسجل)

أمل الصالح

.
.
.


مقال باذخ !


هل يدخل ماقلت في باب الأدب ..؟

09-05-2013

(غير مسجل)

حسن علي خلف

لقد اسمعت لو ناديت حيا-- انا اكبر فيك اطلاعك الواسع هذا - وارجو ان تستمر بالضغط بهذا الاتجاه ليتعظ المتحذلفون والطارئون على الثقافه - وفي مطلع العشرينات من القرن الماضي - شاع مصطلح يتنكرز - واصله يتانكرز - اي يخلط العربيه بالانكليزيه - وفي هذه الايام ازدادت اعدادهم -ليا لغبائهم - الله ينصرك ويقوي عزمك ودمت
ايها الممتلىء

18-03-2013

(غير مسجل)

تهاني الحربي

حفظك الله يا دكتور خالد سعدت بموضوعك الأكثر من رائع و وجدت فيه إجابة لسؤال تردد في ذهني كثيرا.

17-03-2013

(غير مسجل)

حسين

السلام عليكم ورحمة الله أحبك في الله شيخنا الفاضل مقالك ذكرني بكتابات محمد أركون الذي يقولون عنه مفكر إسلامي يستعمل نفس المصطلحات هيجلية ومصطلح الدوغمائية حفظك الله شيخنا الفاضل

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
4 + 7 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات