المقال
صناعة الفكر - 3
1890 زائر
15-03-2013
د. جمال الهميلي

صناعة الفكر ( 3 )

:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه والسائرين على طريقه إلى يوم الدين، وبعد،

كيف اصنع فكري ؟

:

سؤال يحتاج إلى تأن وتدبر، ومراجعة ونظر، ويمكن إجمال قواعد بناء الفكر بما يلي :

:

1 / كن مستقلاً (لا تعر عقلك لغيرك) : فعقلك هبة من الله لك، بل هو من أعظم الهبات ، فكيف تُسلم هذا الكنز إلى غيرك ليسيره كما يشاء ويذهب حيث يريد ؟ ومسألة إعارة العقل هي الموافقة المطلقة للمقابل وعدم النظر والتأمل فيما يقول أو يفعل وكأنك عطلّت عقلك وتفكيرك وسلّمته إياه على طبق من ذهب .

وهذه القضية ( إعارة العقل ) هي البوابة التي يدخل منها معظم ( أو كل ) أهل البدع إلى أتباعهم ، فتراهم يطلبون منهم التسليم المطلق للشيخ أو الإمام دون نظر أو تفكير، بل ويعتبرون أن من يناقش شيخه أو يشك في تصرفاته أنه مارق وربما يخرج من ملتهم ، ومن تأمل الفرق كالرافضة وغلاة الصوفية وغيرهم سيدرك حقيقة هذا الأمر، ولذا حين تنكشف الحقائق يوم القيامة يكون الحوار الذي سجله القرآن الكريم :" وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32)"[1] وقوله :" إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا.."[2]، بل إن الشيطان نفسه يصرح بذلك، ويوكل إضلاله للعباد إلى انفسهم وإلى استئجار عقولهم له، فاللوم الحقيقي يقع على العباد أنفسهم :" وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ.."[3] ، وكأنه يقول أين كانت عقولكم عندما دعوتكم ، فأنا لم أجبركم ، وكل ما فعلته هو الدعوة فقط.

:

وقد يقول قائل نحن في شرعنا الإسلامي لابد من التسليم، فنقول : إن هذا التسليم ليس لمخلوق إنما للخالق الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بما ينفعه ويضره ، وهو أرحم به من نفسه ، وهو أحكم الحاكمين ، وأما طاعة الرسول r فهي مأخوذة من طاعة الله فهو رسول الله، كما أنه " مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)"[4] ، و الوحي من الله، وأما طاعة غير الله وغير رسوله فهي بعد طاعة الله وطاعة رسوله r ومرتبطة بالمعروف فقد" بعث النبي عليه الصلاة والسلام سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي عليه الصلاة والسلام أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى ، قال : فاجمعوا لي حطبا ، فجمعوا ، فقال : أوقدوا نارا ، فأوقدوها، فقال : ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون : فررنا إلى النبي r من النار، فما زالوا حتى خمدت النار ، فسكن غضبه، فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة ، الطاعة في المعروف)[5] ، ووجه آخر وهو اليقين التام بأنه لا يمكن أن يتعاض العقل الصريح مع النقل الصحيح[6] فكلاهما من عند الله العليم الخبير ، ووجه ثالث وهو أن الشرع يدعو إلى التفكر والتأمل ويحث عليه فهو مطلب، بل قال الله تعالى :" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.."[7] ، فأمر بالعمل بعد العلم.[8]

:

2 / قيّم افكارك : إن أفكارنا لم تنبت في عقولنا من فراغ أو من لاشيء ، إنما جاءت من مصادر متعددة ومتنوعة ، فلابد من مراجعة تلك الأفكار والنظر في مصدرها ومدى مصداقية ذلك المصدر ومدى الثقة فيما يطرح ويقول ، إن سماعنا ورؤيتنا تصحبه رسائل وأفكار إلى عقولنا وليس مجرد كلام وصور ، وقد يُراد أن تتجذّر لديك أفكار محددة عن طريق تلك الكلمات والصور ، فبعض الأحيان يكون الخبر صحيحاً ولكنه ما يتبعه من تحليل وتضخيم أو تصوير هو الهدف فيتغلغل إلى ذهنك مع الخبر الصحيح فيحصل المقصود، ولذا فعند المراجعة والتدقيق تتبين لك أمور لم تتوقعها من قبل واقرأ معي هذه الآيات:" تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)[9]، إنهم يسمعون ويعقلون ولكنهم نفوا عن أنفسهم السمع النافع والعقل الراجح المفكر الذي يوقف صاحبه على حقائق الأشياء ويرشده إلى الخير ويبعده عن الشر بعكس أهل الايمان ، وفي ذلك اليوم ( يوم القيامة )تتكشف لهم الحقائق ويدركوها ، ولكن في وقت متأخر . أهل الايمان

:

وحتى لا تكون ضحية لأفكارك غيرك عليك أن تسأل نفسك ثلاثة أسئلة :

  1. ما مصدر تلك الأفكار ؟
  2. ما مدى ثقة ومصداقية هذا المصدر ؟
  3. ما الأدلة على صحة تلك الأفكار .
  4. 

3/ لا تكن ريشة : ": واللهِ لئن قالَه لقد صدَق، فما يُعجِبُكم من ذلك ؟ واللهِ إنه ليُخبِرُني الخبرَ لَيأتيه من اللهِ من السماءِ إلى الأرضِ في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ فأصدِّقُه.." تلك العبارة قالها أبو بكر الصديق t حين قال له كفار مكة : "يا أبا بكرٍ هل لك في صاحبِك- يعني محمد r - يزعُمُ أنه جاء هذه الليلةَ بيتَ المقدِسِ وصلَّى فيه ورجَع إلى مكةَ!!" ، إنها والله الثقة في صدق الحدث حتى لو كان مستحيلاً في نظر البعض ، إن صاحب اليقين الراسخ بما لديه من أفكار لا تهزه العبارات والتصرفات بل تزيده ثباتاً بالقناعات ، ولذا – والله أعلم – كان من صفات المؤمنين عدم الريب " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا..."[10] ، ومن صفات المنافقين الريبة ( الشك ) " إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)"[11]وانظر إلى المواقف المتباينة في غزوة الأحزاب[12] كيف صورها القرآن الكريم :

قال تعالى : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (12) ..

قال تعالى : ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (22)[13]

الموقف واحد، والمكان واحد والزمن واحد، ولكن اختلاف الثقة والإيمان هو الذي سبب اختلاف النظرة والتحليل بين الفريقين.

فالعزم والإقدام وعدم التردد في الرأي دليل الثقة ، ولذا عُد من صفات الرجال :

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا[14]

إن قوة أدلتك وتنوعها ومصداقية مصدرها يجعلك تطمئن وتثق فيما لديك ، فتصبح :" كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)"[15] " فالعلو والارتفاع لا يؤثر في ثباتها، فهي راسخة حتى لو وصل ارتفاعها إلى السماء، وإياك أن تكون كالريشة التي تحركها الريح حيثما شاءت فلا إرادة لها ولا سلطة حتى على نفسها.

تذكر أن هناك من يسعى لزعزعة الثقة في نفسك ويطمح لخلخلت أفكارك وإيجاد ثغور فكرية يمكنه أن يتسلل من خلالها إلى عقلك وقلبك فهل ستسمح له ؟

:

4 / ارفع الأسوار : ونظراً لأهمية هذه الأسوار ودورها في البناء الفكري فسنترك الحديث عنه إلى اللقاء القادم بإذن الله .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

:

د. جمال الهميلي

المدينة المنورة

21 / 01 / 1434 هـ - 2012 م



[1] سورة سبأ

[2] سورة البقرة

[3] سورة ابراهيم آية 22

[4] سورة النجم

[5] رواه البخاري 4340

[6] راجع كتاب " درء تعارض العقل مع النقل " لشيخ الاسلام ابن تيمية

[7] آية 19 سورة محمد

[8] وثمة وجوه أخرى لم اذكرها اختصاراً للكلام .

[9] سورة الملك

[10] آية 15 سورة الحجرات

[11] سورة التوبة

[12] حدثت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة

[13] سورة الأحزاب

[14]الخليفة أبو جعفر المنصور ت 158 هـ

[15] سورة ابراهيم

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
2 + 7 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية