المقال
صناعة الفكر - 2
2887 زائر
06-03-2013
د. جمال يوسف الهميلي

صناعة الفكر ( 2 )

:

الحمد لله الحكيم الخبير ، والصلاة والسلام على النذير البشير ، وعلى آله وصحبه والسائرين على نهجه المستنير ، فبعد الحديث السابق عن خصائص التفكير ، نتحدث اليوم عن قضية جوهرية وهي ما عوامل صناعة الفكر ؟


مدخلات

تخزين

معالجة

مخرجات

:

:

لمعرفة الإجابة على هذا السؤال الكبير دعونا نرجع إلى بداية خلق الإنسان ، حيث يقول الله تعالى : " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"[1]، فالآية تشير إلى خروج العبد إلى الدنيا ومعه ثلاثة نِعم كبيرة (ليست الوحيدة) وهي السمع والبصر والفؤاد ، وهذه الأدوات الثلاث هي الأدوات الأساسية في بناء وتكوين فكر العبد ، فالسمع والبصر هما أهم مصادر المعلومات التي ستخزن في الفؤاد ،والفؤاد هنا العقل أو الدماغ وليس القلب المادي المعروف [2] ، فالسمع والبصر هما بوابة دخول المعلومات والعقل أو المخ هو الذي يقوم بتخزينها ومن ثم معالجتها و توظيفها فيما يريد العبد لتخرج على شكل مخرجات معينة ومحددة ، واقرب مثال للمخ هو جهاز حاسب آلي جديد لديه قدرة هائلة على تخزين المعلومات ومعالجتها، ولكنه غير مبرمج، ويمكننا تمثيل العملية بالشكل التالي :

:

ولعل السبب – والله أعلم – في ذكر السمع والبصر دون غيرهما من الحواس أنهما أهم مصدرين للمعلومات، فقد أثبتت الدراسات أننا نتعلم عن طريق الحواس الخمس بحسب التالي :

:

1% بواسطة حاسة الذوق .

1.5% بواسطة حاسة اللمس .

3.5% بواسطة حاسة الشم .

11% بواسطة حاسة السمع .

83% بواسطة حاسة البصر .

أي 94 % عن طريق السمع والبصر .

:

وعملية التفكير داخل العقل تعتمد على عدة عوامل، منها كم وكيف المعلومات الواردة إليه ، لذا أودع الباري – سبحانه – المخ قدرة هائلة على تخزين المعلومات، فقد اكتشف البروفسور مارك روزنزن أنه لو تم تغذية المخ بعشر معلومات في كل ثانية ولمدة ستين سنة بدون توقف فإن مقدار ما تم تخزينه يعادل أقل من نصف المساحة المخصصة للتخزين .

:

ولو عدنا إلى الآية الأولى، فإنها تشير إلى أن الإنسان يولد من بطن أمه لا يملك أي معلومات " لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا" ولكن لديه الأدوات الأساسية لاكتساب المعلومات والقدرة على معالجتها ( السمع والبصر والفؤاد ) ، فمن حكمة الخالق سبحانه أنها وهبنا أدوات ولم يهبنا معلومات، و الحصول على المعلومات متيسر وسهل إذا أحسنا استخدام الأدوات .

:

ويمكن القول أن الإنسان الوحيد الذي وهبه الله معلومات مع الأدوات هو آدم عليه السلام باعتباره أول البشر ومنه ستنتقل المعلومات إلى بقية البشر ، ومن هنا كان من نِعم الله على آدم عليه السلام أنه علّمه الأسماء " وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"[3] .

:

وبتعبير آخر فإن المولود يخرج من بطن أمه إلى الدنيا وصفحة مخه بيضاء خالية من المعلومات ، ثم تبدأ المعلومات تتوافر إليه عن طريق السمع والبصر ثم يبدأ يكبر فيبدأ بمعالجة تلك المعلومات ، ولعل هذا أحد الأسرار في قوله عليه الصلاة والسلام :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه، أو يمجسانه.." فمصدر التلقي للطفل هو أبويه ، فهو ينظر إليهما على أنهما قدوات يعرفان كل شيء، وأن هذه المعلومات صحيحة غير قابلة للخطأ، فيتقبلها بصدر رحب فتسهم في تشكيل عقيدته وحياته، على الأقل إلى حين يكبر ويبدأ بالإدراك ويجري عليه القلم.

:

وبعد هذه المقدمة نرجع إلى الإجابة على السؤال عن أهم عوامل تكوين الفكر لدى الإنسان ؟ يصعب حصر جميع العوامل بسب طبيعة خلق الإنسان وتكوينه البديع وارتباطه بما حوله من مخلوقات ، ويمكن القول بأن أهم هذه العوامل خمسة هي :

:

1 / الموروثات السابقة : وهي مجموعة من العادات والقيم والسلوكيات و المعتقدات التي يتلقاها العبد من السابقين له (الآباء والأمهات ) ، وهي من أهم المصادر لأنها من أول المعلومات التي تصل إلى المخ ، ونتيجة لقوة الطرح وتكراره تترسخ تلك الموروثات حتى تكاد تصل إلى العقل اللاواعي ، فتجد العبد يعمل ويقول ويردد تلك الموروثات دون تفكير عميق، بل أحيانا تصادم العقل الصحيح، واقرأ معي هذه الآية :"وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"[4] ، فالحجة واحدة على مدار التاريخ البشري، لذا كان الجواب " قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ " فهي دعوة للتفكير في هذه الموروثات والنظريات والمعتقدات فربما جئتكم بما هو أهدى، أو أنكم قبلتموها دون تفكير، ولكن النتيجة المعروفة أنه لا يؤمن إلا القليل بمعنى أنه لا يترك تلك الموروثات السابقة حتى لو كانت غير موافقة العقل أو غير مبنية على أسس راسخة، وتذكر معي ذلك الموقف عن عم الرسول عليه الصلاة والسلام أبي طالب: " أنه لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبيعليه الصلاة والسلام وعِندَه أبو جهل، فقال : ( أي عم، قُلْ لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عِندَ الله ) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب.."[5]

:

2 / الدين : الإنسان متديّن بطبعه، ومعنى متدين أنه يبحث كثيرا في مسألة الخالق ولماذا خلق ؟ فقلَّ أن تجد مجتمعاً إنسانياً إلا ولديه عقيدة معينة وديناً يدين به، فهناك من يعبد الشمس والقمر والحجر والشجر والفأر والبقر والملائكة والبشر وغيرها كُثُر، وكل من يدعي أنه لا يعبد أحد فهو في الحقيقة يعبد هواه وشهواته كما قال تعالى : " أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ"[6]، ومن مستلزمات الأديان أنها تفرض على أتباعها نظم معينة وعقائد محددة تجاه الحياة والناس والكون ، وهذا بلا شك يسهم في تشكيل فكر العبد وصياغته بقالب معين ولو في بعض القضايا والمحاور .

فالنظرةُ للمرأة – على سبيل المثال – وللزوج وللحياة الاجتماعية ترتبط كثيرا بما يمليه الدين ، وهذا بدوره يصنع فكراً تجاه هذه القضايا يظهر على شكل سلوكيات وأخلاقيات يتصرفها العبد في حياته اليومية والاجتماعية .

:

3 / التجارب : لكي يعيش العبد في هذه الحياة فلابد أن يمر بتجارب ومواقف في حياته ، بعضها تكون ايجابية وبعضها تكون سلبية ، وفي كلا الحالتين فإن العبد يكتسب من تلك التجارب من جهتين الأولى تخزين الموقف والاحتفاظ به في ذاكرته لاستعادته عند الحاجة، والثانية معالجة هذا الموقف في العقل والنتائج المترتبة عليه ،والعاقل هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين في التخزين وليس بالضرورة أن يوافقهم في طريقة معالجتها .

ولك أن تتخيل كم من المواقف مرت عليك في حياتك ، وكم من التجارب حدثت لك ، وكم من النتائج التي حصلت عليها نتيجة تلك المواقف والتجارب ، قد لا تستطيع إحصاءها ولكنها بلا شك ساهمت في تشكيل فكرك وطريقة حياتك .

:

4 / التعليم : وما أدراك ما التعليم ! فالإنسان يقضي ما لا يقل عن 12 سنة من عمره في التعليم أي أكثر من 15000 ساعة بين المدرسة والمذاكرة ، وإذا أضفنا سنوات الجامعة فسيصبح الرقم أكثر من 25000 ساعة ، ليس هذا فحسب بل أنها من أفضل السنوات في تكوين وصناعة شخصية العبد حيث عمره 6 – 23 سنة بالإضافة إلى حرص الطالب على النجاح والتفوق مما يتطلب الجد والاجتهاد ومحاولة فهم واستيعاب المواد المقدمة له ، ولا أظن أن أحمد شوقي أخطأ حينما قال :

قم للمعلم وفّه التبجيلا .... كاد المعلم أن يكون رسولا

فهذه العوامل الثلاثة[7] ( طول الفترة و ربيع العمر والحرص ) تجعل التعليم ذا أثر كبير في البناء الفكري للإنسان .

:

5 / الإعلام : كان يُقال " الناس على دين ملوكهم " و أظننا في زمن " الناس على دين إعلامهم "، فإذا كان العبد يقضي في التعليم الكم الكبير من ساعات عمره ، فالإعلام لا يقل عن ذلك بل ربما يزيد عليه، وخاصة مع الإعلام الجديد، فعلى سبيل المثال ذكرت إحصائية نُشرت عام 2010 م أن الناس يقضون أكثر من 500 مليار دقيقة في الشهر ( تقريباً 17 مليار دقيقة في اليوم ) على الفيس بوك، كما وصل عد مستخدميه في عام 2012 م إلى مليار ، هذا لموقع واحد فقط ، أما اليوتيوب (YouTube ) يزور اليوتيوب شهريا أكثر من 800 مليون زائر فريد يشاهدون فيها أكثر من 90 مليار مشاهدة ، وكل دقيقة في يوتيوب يتم تحميل ما يقارب 48 ساعة فيديو أن ما يعادل 8 سنوات من العرض المستمر يتم تحميله يوميا.

:

وخطورة الإعلام في البناء الفكري تكمن من عدة أمور منها بأمرين مهمين جداً هما :

:

أ‌- - الرغبة والدافعية ، فالمتلقي من الإعلام يكون مختاراً لا مجبرا، راغبا لا رافضاً، محباً لا مكرهاً .

ب - مخاطبة الإعلام لأكثر من حاسة للعبد فهي تجمع بين الصوت والصورة والحركة والسكون بطريقة جذابة وساحرة تجعل العبد يتلقى المادة وتدخل في فكره وربما تتغلغل حتى تصل إلى عقله اللاواعي فتشكل فكره وفق أساليب لا تخطر له على بال ، وفي واقعنا شاهدنا كم من العادات ( الموروثات السابقة ) صمدت أمام المتغيرات لمئات السنين، لكنها لم تصمد أمام الإعلام إلا سنوات أو أشهر .

:

تلك هي العوامل الخمسة الأساسية التشكيل فكر العبد ، والآن امسك قلم وحاول أن تسأل نفسك ما أهم خمسة قيم لديك ( ثوابتك في الحياة ) ؟ وما مصدرها ؟ وهل هي صحيحة ؟ وما الدليل على صحتها ؟ ثم ضع ذلك كله في الجدول التالي :

:


م

القيمة

المصدر

الدليل

1

2

3

4

5

أخرى

:

إنها الخطوة الأولى نحو بناء فكرك ، فلا تترد بالصراحة مع نفسك .

:

وللحديث بقية

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

:

د. جمال الهميلي

المدينة المنورة

07 / 01 / 1434 هـ - 2012 م



[1] سورة النحل آية 78

[2] راجع تفسير ابن كثير

[3] سورة البقرة آية 31

[4] سورة الزخرف آية 23

[5] صحيح البخاري 3884

[6] سورة الفرقان آية 43

[7] ليست هي العوامل الوحيدة في بيان أهمية التعليم

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
4 + 3 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية