المقال
صناعة الفكر - 1
3292 زائر
24-02-2013
د. جمال يوسف الهميلي

الحمد لله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام على المعلم الأول والمرشد الأعظم، وعلى آله وصحبه والسائرين على الصراط الأقوم ، وبعد
أخي الكريم
خذ نفساً عميقاً ...
استرخ .. وكن هادئاً ثم
حاول أن تجيب على السؤال التالي :
ما العمل الذي لا تحتاج معه إلى تفكير ؟
تأنَّ ولا تستعجل ....
أظنك ستذكر الأعمال الروتينية مثل طريق العمل وتشغيل السيارة ( بالنسبة للمرأة طريقة الطبخ ..) والحق أن هذه كلها تحتاج إلى تفكير ولكنه مبرمج ذاتياً بدليل أن أي تغير أو طارئ يحدث تكون منتبه له وتتعامل معه بما يقتضي ذلك التغير .
ومن غرائب الأمور في حياتنا أننا نمارس التفكير بشكل كبير يومياً وبصورة متكررة ولا نستطيع العمل دون تفكير ، ومع هذا كله فإن القليل منا يعرف التفكير وكيفيتة وما طريقته في التفكير وكيف يطورها ويوظفها لتحقيق أهدافه .
نحن نفكر في كل شيء في الشراء والبيع والذهاب والإياب .. كل شيء ، إلا التفكير وهو الأداة لم نعطها حقها من التفكير، إن طريقة تفكيرنا غالباً تحدد طريقة حياتنا وتعاملنا مع الأحداث اليومية وبمعنى آخر فإن تفكيرك = حياتك، ومن هنا كانت أهمية موضوع صناعة الفكر أو صناعة فكري ، كيف تتم؟ وكيف أتعرف عليها؟ وأوظفها؟ وهذا ما سنتحدث عنه بصورة مجملة وسريعة وفق المحاور التالية :
ما الفكر والتفكير ؟
أهمية الفكر في القرآن الكريم ؟
خصائص الفكر .
عوامل تكوين الفكر.
تحصين الفكر.
مزالق الفكر .
فإلى بيان ذلك :
من الصعب جداً التفريق بين الفكر والتفكير وغالباً ما يُذكر تعريف الفكر على أنه التفكير ، فيذكرون في تعريف التفكير معاني تدور حول إعمال العقل والذهن والخاطر في الوصول إلى المطلوب من خلال معطيات معينة ، ولا نريد الدخول في متاهات المصطلحات ولكن لنعلم أن الفكر هو الأداة التي وهبها الله للإنسان لتحقيق رسالته في الأرض أما التفكير فهو العملية التي تستعمل هذا الفكر للوصول إلى النتائج من خلال المقدمات والمدخلات التي ندخلها له ، والله أعلم.
والقرآن الكريم مليء بالحديث عن الفكر والتفكير وبمصلحات متقاربة فعدد الآيات التي تتحدث عن التفكير والتأمل والتبصر والاعتبار ( كلها عمليات فكرية ) يتجاوز 600 آية أي بنسبة تصل إلى 10 % من مجموع آيات القرآن الكريم ، ولك أن تتصور أنه كلما قرأت 10 آيات من القرآن الكريم تمر عليك آية فيها دعوة لإعمال الفكر ، ألا يبين ذلك أهمية هذه القضية ؟ بل إن الله بيّن أن الحكمة من إنزال القرآن هي تدبر آياته : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) . وهل التدبر إلا صورة من صور إعمال الفكر ، و ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( .. لقد أنزلت على الليلة آية ؛ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها : {إن في خلق السموات والأرض } الآية .
أما خصائص الفكر فيمكن إجمالها في خمسة خصائص:
1- الفكر هبة ربانية : فهو منحة من الله ، بل إنها من أجل النعم فقد ميّز الله بها الإنسان عن الحيوان ، كما أنه جعل التفكير مناط التكليف فمن فقد عقله ( أداة التفكير ) فلا تكليف عليه كما قال عليه الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل ) .
2- كل إنسان يفكر: قد نظن أن بعض الناس لا يفكر لموقف يمر به، والحقيقة أن الموقف لم يدفعه نحو التفكير ولم يكن كافياً من أجل دفعه نحو التفكير، والدليل على ذلك أن الشخص نفسه تجده في مواقف أخرى من أحسن الناس تصرفاً. فالفاشل دراسياً لابد أن يكون ناجحاً أو لديه القدرة على النجاح في أشياء أخرى، والذي لم ينجح في موقف ولم يحسن التصرف تجده من أفضل الناس في مواقف أخرى، فكم من المخترعين والمفكرين والمبدعين كانوا غير ناجحين في غير ميدانهم.
وثمة أمر آخر العدل الرباني ، فالله سبحانه وتعالى من صفاته العدل، ومن مقتضيات العدل توزيع المواهب والقدرات بين أبناء البشر وعدم حرمان البعض من كل المواهب والقدرات إلا فيما تقتضيه الحكمة الربانية للمجانين أو المتخلفين عقلياً .
3- لا يعلم تفكيرك إلا الله : إذا كنت في مجلس ما حاول أن تخمن فيم يفكر كل واحد من الموجودين !!قد تستطيع معرفة كثير من الأشياء عن المقابل لك لكنك من الصعب جداً أن تتعرف فيم يفكر، فقد يجلس أمام الأستاذ أو المحاضر أكثر 50 شخص ولا يستطيع أي منهم أن يتعرف على ما في تفكير القريب منه فضلاً عن البعيد بل حتى الأستاذ أو المحاضر لا يستطيع أن يجزم ماذا يدور في رأسك .
إنه سر رباني فالحكمة الربانية اقتضت أن يستطيع كل منا أن يحتفظ بتفكيره الخاص ويستطيع أن يظهر لك خلاف ما يدور في رأسه ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك في الصلاة فالكثير يشتكي من السرحان في الصلاة فهو يسمع شيء ويفكر في شيء آخر بعيد كلياً عن الموضوع الذي يسمعه ومن هنا كانت أول صفات المؤمنين الفالحين ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) ، فالله وحده فقط هو الذي استفرد بعلم ما يفكر به الإنسان فهناك أربعة مستويات:
1- العلن وهو ما تظهره للجميع.
2- السر وهو ما تسره لبعض الناس وتتحدث فيه بصورة خفية حتى لا يطلع عليها الآخرون.
3- السر الخاص و هو ما تحدث به نفسك.
4- الأخفى[5]وهو ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقيل هو ما لم تُحدث به نفسك بعد.

:
4-الفكر قابل للتغيير : من أبجديات الحساب والجزاء الاختيار ، فلا حساب على إجبار ولا عقوبة على إكراه ، وإن كان الفكر هبة ربانية فإن الله أوجب على العباد أمور وطلب منهم تحقيقها وفق منهج محدد مهما كانت طريقة تفكير العبد ، وهذا يعني بلا شك أن الإنسان يمكن أن يغير فكره إلى ما يريد الله والعكس صحيح .

:

قد يكون تغيير التفكير صعب ولكنه ليس مستحيلاً والتاريخ البشري القديم والحديث خير شاهد على القدرة على تغيير التفكير وتوجيه نحو هدف معين ولعل سيرة الرسول الكريم من أوضح الأمثلة على ذلك .
5-الفكر يتطور : جمود الفكر من أكبر أسباب ضعف التطوير في مختلف جوانب الحياة ، كما أن تطوير الفكر من أبرز سمات أهل التقدم بمختلف صوره ، لذا نجد أن الغرب والشرق وأهل الصناعات بالذات( وحتى العلوم الإنسانية ) يجتهدون كثيراً في دراساتهم نحو تطوير التفكير وسبُل النهوض به ويبتكرون برامج ونظريات من أجل ذلك ، فمهارات التفكير وبرامج الكورت وغيرها كثير كلها تهدف إلى ذلك، ولا ريب أن ما نعيشه من تقدمي مادي ورقي إنساني هو من نتائج تطوير التفكير ، فطريقة التعامل مع الحياة ومع المشكلات ومع المستقبل وطرق الإبتكار فهذه القضايا وغيرها قد تغيرت وتطورت وأصبح النظر إليها مختلف عما كان عليه سابق البشرية .
وأهل الإيمان وأهل الدعوة عليهم السعي في تطوير فكرهم وتفكيرهم وتوظيف نِعم الله بما يساهم في تحقيق عبودية المخلوقين للخالق سبحانه .

د. جمال يوسف الهميلي
المدينة المنورة

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
5 + 4 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية