المقال
اعترافات رئيس الجمعية الأمريكية للفلسفة
3632 زائر
23-04-2017
أ.د. خالد الدريس

اعترافات مثيرة لرئيس الجمعية الأمريكية للفلسفة

لطالما كان اعتراف المفكر وإقراره بعد التجربة والخبرة مشوقًا ، فما ظنك إن اقترنت الإثارة بذلك ، من المؤكد أن حجم التشويق يكون مضاعفًا ، ونحن الآن على موعد مع فاصل من التشويق المعرفي المثير ، يأتي في سياق سلسلة مقالات خصصناها لنقد الفلسفة بعيون الفلاسفة ، وقد عرضنا فيما سبق نقد الفلسفة بأسلوب ساخر لاذع وجهه عميد الفلاسفة في عصره برتراند راسل ، ثم وقفنا مع لمحات صريحة عن عجز العقل الفلسفي وتناقضاتها عرضها د. فؤاد زكريا من كبار أساتذة الفلسفة في عالمنا العربي ، وفي هذا المقال الثالث سنعرج على اعترافات مثيرة صرح بها فيلسوف له مكانته في القرن العشرين اسمه : " ولتر ستيس " .

:

من هو الفيلسوف " ستيس " ؟

هو إنجليزي الأصل ، أمريكي الجنسية ، ولد في 1886 ، وتوفي في 1967 ، كان أستاذا للفلسفة في جامعة " برنستون " وهي من أشهر الجامعات العالمية وأرقاها في التصنيفات الدولية ، وقد رأس " ستيس" الجمعية الفلسفية الأمريكية سنة 1949 واستمر عضواً بها إلى تاريخ وفاته ، ويصفه تلامذته بأنه كان من أكثر فلاسفة أمريكا المرموقين في وقته تأثيراً في المشهد الفلسفي الأمريكي الأكاديمي . وكتب في مختلف مجالات الفلسفة مثل نظرية المعرفة والميتافيزيقا والأخلاق ونظرية القيمة والنظرية الجمالية والفكر السياسي ، ومن أهم كتبه : تاريخ نقدي للفلسفة اليونانية كان أسلوبه فيه واضحًا سلسًا بعيدا عن التعقيدات المصطلحية ، و كتاب " فلسفة هيجل " ويعد من أهم الكتب التي شرحت الهيجلية بطريقة بارعة ، وكتاب الفلسفة والتصوف ، والزمان والأزل ، وغيرها .

:

لماذا تجاهلوه ؟

وقد كتب د. محمد محمد مدين كتابًا عنه عنونه بـ " فلسفة والتر ستيس " نشر سنة 2009 في دار التنوير، كشف فيه عن أمور في غاية الأهمية ومنها أن هذا الفيلسوف مع أهميته لم يحظ بشهرة تليق بمكانته الكبيرة في عالم الفلسفة ، وأرجع ذلك إلى موقفه من قيام الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ، حيث كتب " ستيس " سنة 1947 قبل قيام إسرائيل سنة 1948 مقالًا بعنوان : ( الوهم الصهيوني ) فند فيه الحجج الصهيونية وأبان عن تهافتها ، ودافع بحرارة عن حق العرب القانوني في فلسطين ، وهنا يقول د. مدين : ( أعرفت عزيزي القارئ السبب في إهمال " ستيس" وعدم الاهتمام به ؟ ) .

على أية حال الذي سنركز عليه هنا ، تلك الاعترافات التي أقر بها " ستيس" وهو المدافع بقوة عن الفلسفة وضرورة استمرارها مع كل ما تواجهه في هذا العصر من أزمات أبعدتها عن مكانتها القديمة ، فإلى تلك الاعترافات المثيرة .

:

الفلسفة تأملات عابثة !

في كتابه " الدين والعقل الحديث " يصدمنا " ستيس " في افتتاحية الفصل السابع (ص153) عندما قال : ( ليست الفلسفة موضوعًا مشوقًا ) ، ثم أردف قوله بقصة ساخرة ولكنها مثيرة للاهتمام لذا افتتح بها ذلك الفصل ، يقول " ستيس" : ( ذات يوم دفعت بمخطوطة كتاب إلى الناشر ، وكانت كلمة الفلسفة تظهر في عنوانه ، ووافق الناشر على الكتاب ، لكنه قال : إن لفظ الفلسفة لابد أن يحذف ، حتى نتقي شرها ونتجنب لعنتها من ناحية ، وفي استطاعتي من ناحية ثانية أن أدخل كلمة " العلم " فإن الكتاب في هذه الحالة سوف يباع كم تباع القهوة الساخنة ؛ لأن كل إنسان يعرف أنه مهما قال العلم فهو صادق ومدهش في آن معاً . في حين أن أفكار الفلاسفة فضلًا عن أنها غامضة ورتيبة ومملة ، فإنها تأملات نظرية عابثة ، ولو أنه بُحثت أية مشكلة في فصل متوسط من الطلاب وتمت مناقشتها ، وقال أحدهم : غير أن العلم يقول كذا وكذا ، فإن هذه الفكرة تظهر في الحال لتحسم المسألة نهائيًا ) .

:

الفلسفة خليط أعمى من الأراء المتضاربة !

وفي ( ص 158) يقول " ستيس " : ( ولو تناولنا مسحًا سريعًا للفلسفة في العصر الحديث ، من ديكارت حتى عصرنا الراهن ، لوجدنا أمامنا لأول وهلة خليطًا أعمى من الآراء المتضاربة حول كل شيء ، والواقع أن ذلك كثيراُ ما كان موضع لوم للفلسفة ) .

:

نظرة الفلاسفة لمعشوقتهم !

وفي (ص 155) يقول : ( صحيح أن الفلسفة تبدو على السطح مجموعة من الألغاز التي لا أهمية لها ، مجرد حكايات طويلة ، تتقبلها العقول الساذجة ، وصحيح أن الفلاسفة أنفسهم ينظرون إليها أحيانًا هذه النظرة ، وصحيح أيضًا أن بعض الفلاسفة يقضون حياتهم كلها في محاولة حل هذه الألغاز) .

:

الاعتراف سيد الأدلة !

وفي ( ص 164 ) يقول : ( ولا شك أن ذلك يدعو إلى الأسف ، وهو أحد الأسباب التي جعلت الفلسفة التي كان ينظر إليها يومًا ما على أنها الملكة المتوجة على عرش المعارف ، لا تظفر إلا بعدد ضئيل من طلاب الجامعات ، ويتجاهلها الجمهور العريض من الناحية العملية ) .

:

قصة الفلاسفة مع مشكلة شروق الشمس ؟

وفي ( ص 153-155) يسوق " ستيس " أمثلة على بعض الأمثلة التي جعلت الفلسفة بعيدة عن اهتمام الناس بانشغالها بما يُشبه الكلمات المتقاطعة والألغاز والأحاجي :

المثال الأول : استحالة البرهنة بأية حجة منطقية على أن الشمس سوف تشرق غدًا ، وكل إنسان بما في ذلك الفيلسوف نفسه يعلم أنها سوف تشرق في الغد لا محالة ! لقد اعتقد " هيوم" في القرن الثامن عشر أنه قد برهن على أن ذلك لا يمكن البرهنة عليه ! كما أنفق عدد كبير من الفلاسفة في القرنين الأخيرين الشطر الأعظم من حياتهم محاولين اكتشاف برهان على شروق الشمس ، ومن ثم تفنيد برهان "هيوم" ، ومجموعة أخرى من الفلاسفة اتفقوا معه في الرأي منذ عصره ، ومازال النقاش سجالًا حول هذه المشكلة في جميع أنحاء العالم .

:

انتبه أنت لست موجودًا !

المثال الثاني : الاختلاف حول عدم إمكانية البرهنة على أن أي جسم مادي لا يمكن أن يستمر وجوده عندما لا ينظر إليه أو يدركه أحد بالفعل بأي حاسة من حواسه ، وكل إنسان يعرف أن الأجسام تستمر في الوجود ولو لم يرها أو يدركها أحد ! ولقد استمر النزاع حول هذه المشكلة بين الفلاسفة لعدة قرون مثل نزاعهم حول شروق الشمس ، ولا يزال الفلاسفة إلى اليوم يصنفون أنفسهم في هذا الجانب أو ذاك !

:

هل لأمهاتنا عقول ؟

المثال الثالث : مشكلة فلسفية أخرى شهيرة هي مشكلة ما إذا كان يمكن للمرء أن يعرف ما إذا كان شخص آخر ( خلاف نفسه ) يمتلك عقلًا !

فأنا أعرف أني لي عقلًا لأنني واع ، لكن كيف يمكن لي أن أعرف أن أمي واعية أو أن لها عقلًا ؟

قد تكون الحقيقة هي أنني وحدي العقل الواعي بين الكائنات !

وجميع الفلاسفة يعرفون أن للآخرين عقولًا مثلهم في ذلك مثل أي إنسان آخر ، وليست هذه المشكلة ، بل المشكلة هي كيف يمكن البرهنة على ذلك ؟

ويدافع " ستيس" عن الفلسفة بأن هذه الأفكار قد لا تكون مفيدة أو ذات أثر عملي ولكنها مهمة لأن الإنسان في شوق دائم للمعرفة لذات المعرفة ، وفي تقديري أنه يجب أن ينظر لمثل هذه الأفكار وفق فكرة " الافتراضات " في المنهج العلمي ، وإلا كان الوقت المهدور بلا مقابل ، وهذا للأسف مصير كثير من المشتغلين بالفلسفة حيث يخرج أحدهم بعد سنوات طويلة من تلك المسائل بلا طائل أو حصيلة ، وإن اكتسب شيئاً فلن يكون مكافئًا لحجم الوقت والجهد الذي بذله وهنا تكون الخسارة متحققة بلا شك ، فكثير من كتب الفلسفة تسلب منك وقتًا وطاقة فكرية وبالمقابل لا تمنحك إلا ثمنًا بخسًا .

:

نظرية خمسة زائد سبعة !

المثال الرابع : في (ص 164) قال " ستيس" : لا يزال السؤال : كيف نعرف أن 5 + 7 = 12 موضع نزاع ونقاش في الفلسفة ) . مع أنه ما من فيلسوف يقول لك : إن الناتج سيختلف أو يتغير ، ولكن السؤال : كيف نعرف ونتحقق من أن ما نعرفه هو الشيء في ذاته ، وهذا تدقيق مُكلف يضيع الوقت ، ولن يؤدي إلى نتيجة ملموسة مفيدة ونافعة .

:

الفلسفة كالكلمات المتقاطعة !

يرى " ستيس" أن هناك قدراً من الحقيقة في أمثال تلك الاتهامات للفلسفة التي تدرس في الجامعات وقاعات الدرس ، فالفلاسفة الأكاديميون لا يناقشون في يومنا الراهن إلا مجموعة من الألغاز والأحاجي لا أهمية لها على الإطلاق في نظر الكثيرين ، وهكذا نجد أن أي مشكلة فلسفية نموذجية أصبحت في كتب الفلسفة المدرسية مثل الكلمات المتقاطعة من حيث إن حلها لا يهم أحداً ، ويرى " ستيس" إن التبرير النهائي للفلسفة يكمن في الإسهامات التي تستطيع تقديمها للحياة الخيرة أو الصالحة ، والفلسفة كما يجب أن تكون هي ما فهمها سقراط وأفلاطون تلك الفلسفة التي تكن للحياة احترامًا مباشرا ، وتهتم بالبحث عن الحياة الطيبة وكيفية قيادتها ، وهذه الغاية هي التي أضاعتها الفلسفة ، وأصبح الفلاسفة يرون أن من يهتم بمثل هذه الأمور يقوم بعمل الوعاظ بدلًا من العلماء !

:

متحف تاريخي لأوهام العقل !

إن ملحوظات " ستيس" السابقة على الفلسفة ، هي بمثابة اعترافات جاءت على سبيل النقد الذاتي ، ولكنها تشير إلى أن الفلسفة – رغم دفاعه عنها - هي كما قال ذلك الناشر الذي نقل كلامه لأهميته مفتتحًا به كلامه ونقده لحال لفلسفة في عصره : (أفكار الفلاسفة فضلًا عن أنها غامضة ورتيبة ومملة ، فإنها تأملات نظرية عابثة ) ، وهذا هو حجر الزاوية في نظري : إن طرح الفلاسفة في غالبه ليس إلا تأملات نظرية تفتقر للأسانيد العلمية التجريبية ولا تلتزم بالمنهجية الاستقرائية أوالدراسات المسحية للواقع وتخلو من الإحصاءات الدقيقة ، لذلك هي لا تخلو من العبث اللاعقلاني في نظر الكثيرين من علماء التخصصات المادية المعاصرة كالطب والفيزياء والهندسة والكيمياء ، لذلك قد يكون من المستحسن أن ننظر إلى الكثير من أفكار الفلاسفة على أنها بمثابة " متحف تاريخي لأوهام العقل وتناقضاته " والعقل الصحيح يرفض التناقض لأنه دليل البطلان .

:

أتدرون لماذا ؟

لأن التناقض يضاد الصدق ، هل سمعتم : إن الصدق بكل شموخه ورسوخه يا سادة لا يمكن أن يتعايش مع التناقض بكل ما فيه من كذب وتصادم واضطراب ، وهذا المعيار أقصد : ( التناقض يُضاد الصدق ) احفظوه جيداً واستخدموه عند فحصكم للآراء ومحاكمتكم للأفكار .. وإلى اللقاء يا أصدقائي .

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
9 + 8 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات