الحوار
حواراتنا ثرثرة ودردشة مع تفريغ للاحتقان أحياناً
12628 زائر
23-04-2017
أ . خالد الباتلي

حواراتنا ثرثرة ودردشة مع تفريغ للاحتقان «أحياناً»

في ظل الأزمات التي أصابت مجتمعنا في فترة سابقة، أصبحت مفردة الأمن الفكري حاضرة وبقوة في المشهد الحياتي من خلالها نتلمس مكامن الخلل ونتقي كل الشرر، ولأهمية الأمر تم إقرار كرسي أكاديمي خاص بذلك وتشرفت جامعة الملك سعود بتبنيه وبموافقة الأمير نايف على إطلاق اسمه عليه، إيماناً منه بأهمية الأمن الفكري ودعماً لكل مناهجه واستشرافاته.

المشرف على هذا الكرسي الدكتور خالد الدريس، له رحلة طويلة مع الفكر بدأت منذ صغره مع أسئلة هنا، وهناك كادت تودي به إلى أودية غير ذات زرع، ولكنها منحته منطلقاً جديداً وآفاقاً أجمل لأفكار وحريات ذات هدف بيّن. يكره التحزب وهرب من قيود جامعة الإمام وصحب الاختلاف في المدارس والأفكار واستقل بفكره ومنهجه، حرم مباهج ومباحات، ولكنه كسب استقلالية وتميزاً

رؤاه قد لا تعجب البعض، ولكنه يراها أساساً للأمن الفكري. يرثي لحال أخلاق أمتنا ويكره خداع شبابنا بالزيف الديني وهيامهم بالمفردة من دون فهمهم لمحتواها. لا يحمل مناهجنا وزر أخطائنا، ولكنه يرمي بتبعات ذلك إلى أفراد يمارسون سطوتهم بطرق خفية. في حوارنا صراع فكري، ولكنه سيفضي بنا - لا محالة - إلى أمن وآمان فكري طالما حلمنا به... فإلى تفاصيل الحوار:

في فترة مراهقتك... هل عشت الصراع الفكري كما يجب؟

- بدأ فضولي المعرفي يقوى ويكبر في عمر التسع سنوات بصورة لفتت نظر من حولي فخافوا عليَّ من كثرة أسئلتي الجريئة عن الخالق والكون والحياة، وفي المراهقة بدأ الصراع الفكري يتعاظم، ولا سيما عندما تهجم عليَّ أسئلة القلق الوجودي والكوني وأحاول أبحث عن أجوبة ترضيني فأُمنَى أحياناً بالفشل والحيرة والعجز.

وشيئاً فشيئاً ازدادت معرفتي، وسيطرت عليّ مشاعر التجاذب والصراع، وبجهد ومشقة تعايشت مع فكرة التنوع الفكري والثقافي التي أسهمت في خبو حدة الصراع الفكري بعد أن بدأتُ في بناء طوابق منظومتي الفكرية بعيداً عن التعارض والتضاد ورغبة في الاتساق والتجانس مع استمرار المراجعة والتجديد، واستفدت من تلك المرحلة في تكوين شخصيتي المستقلة، معتمداً على نفسي من دون الانسياق خلف أحد أو الانبهار المطلق بالكبار.

وأظن أن اقتناعي في أواخر مراهقتي بالاطراد المنهجي عند الإمام ابن حزم الأندلسي وطرحه الفكري، ولا سيما في كتابه الأصولي «الإحكام» كان له أثر في التعجيل ببناء منظومتي الفكرية بقواعدها ومعاييرها وآلياتها مع استمراري في إجراء صيانة دورية لها وتحديثها دائماً.

ولكن... أليس قبولك بالتنوع الفكري والثقافي يدل على تناقضك؟

- استقرّ رأيي في وقت من مراهقتي على أن أتعامل مع الاختلاف على ثلاثة أنحاء: يمكن أن يكون تكاملياً ضرورياً، ويمكن أن يكون تنوعياً تعددياً، ويمكن أن يكون تضادياً متنافياً، مع نفوري وكرهي الشديدين من التوفيقية المتعسفة بين المتناقضات التي تريح الفكر ظاهرياً، ولكنها تخفق عند اختبارها على أرض الواقع.

هذا الاكتشاف وقتها سهل عليَّ أن أجمع بين الإعجاب بعباس محمود العقاد وخصمه مصطفى صادق الرافعي، وبسببه أصبح من اليسير عليَّ أن أجد لنفسي تفسيراً مقبولاً لسؤال: لماذا أعجب بكتاب صور من حياة الصحابة في النهار وأستمتع بغزليات نزار في المساء؟ وتساوت الاهتمامات الفكرية عندي فكان إقبالي على كتب عبدالرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وأدونيس لا يقل عن كتب يوسف القرضاوي وأنور الجندي وعلي الطنطاوي.

وقد كانت أعظم نعم الله عليَّ أني لم أكن متحزباً في أي مرحلة من عمري، ولا يزال لديَّ نفور قوي من التحزب والأدلجة إلى اليوم، لقد كان شعاري - ولم يزل -: «من تحزّب خان»، فالمتحزب يخون موضوعيته واستقلاليته ويفقد بذلك أمانته وحياده الإيجابي، ولم يزل مبدئي إلى اليوم (خذ ما صفا ودع ما كدر) فالعقل الواثق - الذي أضاءت أركانه أنوار الوحي الإلهي والهدي النبوي - ينمو بالانفتاح الإيجابي المتنوع على الثقافات والعلوم والمعارف.

كيف كانت اهتماماتك الفكرية وقتها؟

- في مراهقتي كان نهمي في قراءة الفلسفة وتاريخ الحضارات والتيارات الفكرية المعاصرة مع الاهتمام بالأدب التراثي والحديث، ولا سيما المسرح.

في ذلك العهد قرأت كتاب (نيتشة) لعبدالرحمن بدوي وأنا في ال 14 فأعجبني جداً، وقصة الفلسفة لول ديورانت الذي أعدت قراءته مرات عدة ، وأزمة الضمير الأوروبي وغيرها من الكتب التي أسهمت في تكويني الثقافي. ومع ذلك كنت أطرب بشدة لكتب الأخلاق والتزكية الروحية وأذوب شوقاً عند سياحتي فيها.

وكنت أسأل نفسي آنذاك، ولا سيما في البدايات: هل في ما أفعله تضاد؟ هل أنا بلا منهج؟ ثم ماذا بعد هذا الولع المعرفي بكل شيء وأي شيء؟ واستمرت هذه الأسئلة تقرع ضميري بلا جواب حاسم، ولكنها لم توقفني عن الاستمرار في التنويع والتجريب، إلا أنه في نهاية المرحلة الثانوية، كان للقدر قراره فانغمست في العلوم الشرعية بقناعة وبعد قرار هادئ استغرق مني تفكيراً طويلا.

ولم أنقطع أبداً بعد ذلك عن تنويع مناهل الاطلاع والحفاظ على استقلاليتي الفكرية، فأنا الآن مثلاً أرى أن استفادتي من التحليلات الاجتماعية لعلي الوردي أكثر من مالك بن نبي، من دون النظر إلى أي ميولات أخرى قد تحملني على تفضيل الأخير على الأول، وقس على ذلك أشياء كثيرة.

هذا موجز للصراع الفكري في مراهقتي، لقد كانت ثرية بتنوعها ولا أقول بتقلباتها، كانت ثرية بالقراءة والسفر والتجريب والإصرار على التفرد والتمرد والاستقلالية الفكرية.

لماذا اخترت جامعة الملك سعود للدراسة ولم تختر جامعة الإمام؟

- عندما تخرجت من ثانوية اليرموك كان نظامها يقوم على حرية الطالب في اختيار ساعاته الدراسية، التحقت مباشرة بجامعة الإمام سنة، فلم أتأقلم مع نظام كلية الشريعة الذي كان على النقيض تماماً من نظام الساعات وما فيها من حرية للطالب، فحملت ملفي وتوجهت لكلية التربية في جامعة الملك سعود للتخصص في قسم الثقافة الإسلامية، لميزة مهمة في هذا القسم، وهو الجمع بين مواد التخصص وكثير من المواد التربوية والنفسية، وهو ما كان يشبع جوعي المعرفي، إضافة إلى حرية الطالب في تحديد المواد ومواعيدها، فوجدت نفسي في جامعة الملك سعود.

اللحاق بصحة الأحاديث وتتبع أصولها... هل منحك منهجاً جديداً لحياتك؟

- نعم أعظم مكسب حصلت عليه من تخصصي الذي ملك عليَّ روحي وعقلي هو منهجية التثبت والتبين أو الشك المنهجي، أو بمعنى آخر منهجية الشك الصحي، كانت هذه المنهجية هي حجر الزاوية في تأسيس العقلية الناقدة المتسائلة لديَّ، ولذا اهتممت بعد ذلك بقضايا تعليم التفكير من منظور إسلامي، ومن بعده بالأمن الفكري بوصفه يهدف إلى تعزيز المناعة الفكرية ويؤسس لتنمية مهارات التفكير الناقد.

الغرق في البحث والكتابة... هل فوّت عليك شيئاً؟

- فوّت عليَّ الاستمتاع البريء بمباهج الحياة المباحة، فأنا لم أختبر كثيراً من الأمور الحياتية الجميلة التي يعرفها أبنائي أو من هم أصغر مني، لأن الفضول المعرفي المتنوع مع التخصص العلمي الدقيق في منهج النقد النقلي في علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل على منهج كبار أئمة النقد من المتقدمين، كان يتطلب تفرغاً كاملاً لجرد المطولات من المصنفات الكبيرة والكثيرة، وذلك لا يتم إلا في مدد طويلة.

كيف تجد الصورة العامة لتفكير الطلبة الجامعيين لدينا؟

- يكثر فيهم اللامبالاة بصورة عامة مع ضعف بيّن في الاهتمامات الفكرية والثقافية، وفي تقديري أن المسؤولية تقع علينا نحن الأساتذة، لأننا لم نقترب من همومهم كما يجب، ولم نتواصل إنسانياً معهم، لم نبذل الجهد الكافي لاستمالتهم وجذبهم لتنمية تفكيرهم.

أن نطرح فكراً صالحاً شيء، وأن نمنحه جسداً وروحاً نحيا بهما شيء آخر... من يعطل العملية؟

- أحسب أن المشكلة هي أخلاقية في المقام الأول، بل قد أفاجئك بقولي: إني أرى أن مشكلة العالمين العربي والإسلامي اليوم هي أولاً في انهيار القيم الأخلاقية، ويأتي بعد ذلك نقص المعارف العصرية ونقل التقنية، وعدم تفعيل المشاركة الاجتماعية والسياسية للشعوب.

حين فقدنا بوصلتنا الأخلاقية هبطنا في سلم الأمم واحتقرنا العالم وأصبح تديننا تديناً مشوهاً لا يتسق مع هدي من بعث ليتمِّم مكارم الأخلاق، وخذ مثالاً على ذلك حركات النهضة والإصلاح والإحياء الإسلامية في العصر الحديث بمختلف أطيافها، إنها تعاني من معضلة تجزئة القيم الأخلاقية وتعاني من اضطراب في هويتها الأخلاقية.

لم أعرف من جعل الالتزام الصارم بالأخلاق هو جوهر دعوته الإصلاحية بل العديد من قياداتهم يهمشون البعد الأخلاقي في برامجهم السياسية والإصلاحية وقراراتهم التنفيذية على أرض الواقع، لذا لا تمتلك هذه الجماعات منذ مئة سنة إلى اليوم رجلاً كالمهاتما غاندي في صرامته الأخلاقية.

أتذكر قبل سنوات عندما انهار النظام الطالباني، فحاصرت قوات أفغانية من الشمال (جماعة أحمد شاه مسعود) مجموعة من رفقائهم في الجهاد سابقاً، وإخوانهم في الدين والمذهب من مقاتلي طالبان، فأبى قائدهم أن يستسلم لأشقائه الشماليين مع كل وعودهم وعهودهم له بسلامته وجنوده، وطلب أن يستسلم لغير المسلمين من أفراد الصليب الأحمر!

عندها تحققت بيقين أن مشكلة هذه الأمة في أخلاقها، وعند فحص مشكلاتنا المعاصرة كلها ستجد أن انهيار القيم الأخلاقية عنصر أساسي فيها، فتنظيم القاعدة مثلاً الذي يرفع راية السلفية الجهادية... أين أخلاقيات الجهاد الإسلامي في منظومته الفكرية؟! إنه يعاني من متاهة أخلاقية مظلمة بسبب الانحطاط القيمي الذي يطبع كل أعماله.

ففي بعض أدبياتهم الاستراتيجية المهمة يصرحون بأن ضرب آبار النفط في السعودية سيجبر أميركا على التدخل، وهذا ما يريدونه أي جرّها إلى أرض معركة يختارونها، فانظر لتناقضهم يرفعون شعار (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وفي الوقت نفسه يصرحون بأنهم يحلمون ب(إدخالهم لجزيرة العرب)!

وفي صورة أخرى من صور انحطاطهم الأخلاقي كانوا يكفّرون الدولة السعودية ويبرّرون ذلك بأمور عدة منها: قبولها بميثاق هيئة الأمم المتحدة وانضمامها لهذه الهيئة الدولية، وفي الوقت نفسه يغضُّون الطرف عن إمارة طالبان التي استماتت للانضمام للهيئة نفسها ولم تفلح، بل هي في نظرهم الإمارة الإسلامية الوحيدة!

إيماني أن تقدم هذه الأمة مرهون بالتزامها الصارم بمبادئها الأخلاقية، ولن تفلح إذا كانت في كل ساعة تتلو قرآن ربها وتقرأ سنة نبيها، وهي تنتهك التعاليم الأخلاقية السامية بجد واجتهاد.

تشرف على كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري... ما الخريطة الذي تسيرون عليها؟

- الأمن الفكري هو ملامح آمالنا، وتضاريس آلامنا. نعم هو ملامح جميلة لمستقبل آمالنا وتضاريس معقدة لواقع آلامنا. إن خريطة الطريق لدينا هي تعزيز المناعة الفكرية لأفراد المجتمع من خلال بناء المفاهيم والقيم الصحيحة، وتحصينه من الأفكار المنحرفة عن سماحة الإسلام ووسطيته، وتأهيل الفئات المتأثرة بتلك الانحرافات، ويكون ذلك بتنمية ثقافة الأمن الفكري القائمة على ستة مقومات، من خلال البرامج العملية والدورات التدريبية والإصدارات والحلقات النقاشية والندوات، وتلك المقومات هي:

- ترسيخ الفهم السليم لمنهج التلقي والاستدلال في فهم النصوص الشرعية وفق فقه المقاصد الشرعية وفقه الأولويات والسنن الإلهية والكونية والتاريخية، وضوابط تنزيل النصوص على الواقع مع إدراك المتغيرات المعاصرة، ولا سيما في العلاقات الدولية.

- تصحيح المفاهيم الإسلامية التي تم تشويهها من جماعات الغلو والتفجير، كالجهاد والتكفير والبيعة وطاعة ولي الأمر ونحو ذلك.

- تعزيز قيم الانتماء الوطني.

- تنمية مهارات التفكير الناقد.

- التنشئة على قيم السلام المجتمعي كالحوار والتسامح الفكري وقبول الاختلاف.

- تفعيل الحريات المسؤولة في التفكير والتعبير.

برأيك... أين يسكن الفكر المنحرف؟

- حيث يوجد الاستياء القوي والعميق يسهل نمو الفكر المنحرف دينياً تحديداً، وفق نظرتي للأمور، المسألة هكذا:

استياء يؤدي إلى : تسييس الاستياء ، ثم يحدث التغيير بالعنف (تحت شعار الجهاد).

والاستياء قد يكون شعبياً وقد يكون فردياً، وينتج بسبب الظلم والقهر أو انعدام العدالة وتكافؤ الفرص الاجتماعية أو الحرمان النسبي، وهو ما يولّد الإحساس بالعجز عن التغيير لدى الفرد فيصبح تدمير الذات مقبولاً لديه، وبعد ذلك يتم تسييس الاستياء و»شرعنته» بالفكر، والمرحلة الثالثة هي السعي إلى تغيير الواقع القائم باستعمال الوسائل المناسبة والناجعة.

وهنا يأتي مثلاً فكر الجهاد بالأجساد المفخخة ليصبح فكراً عملياً قابلاً للتنفيذ لدى أشخاص لديهم أصلاً قابلية للانقياد والطاعة العمياء والتأثر السريع بالأفكار، لتصبح شهوة الموت هي فلسفة العنف المعولم التي تستوطن في قلوب يائسة وعقول مبرمجة على الانتحار كخلاص للنفس وللعالم. وفي كل الأحوال هناك نظرية تقول: إن كل نظام اجتماعي أو سياسي يفرز المعارضة التي تليق به وتناسب ثقافته وقوانينه، فالأنظمة العنيفة معارضتها تكون متقمصة للمضامين والوسائل نفسها، والأنظمة ذات الطابع السلمي تنتج معارضة سلمية.

وهذه النظرية قد يصعب تعميمها ولكنها صادقة إلى حد لا بأس به، وتجب الاستفادة منها في تعزيز قيم السلام المجتمعي والاحتواء الإنساني لمشكلات الاستبعاد الاجتماعي لدى بعض الفئات والأقليات.

ومن اللافت أن التطرف حين كان اجتماعياً وعلى مدى قرون كان يسري كالداء في البنية الفكرية للمجتمعات العربية والإسلامية، لم تتكاتف الجهود لمواجهته بجهود مكثفة تستهدف الإصلاح الفكري، ولكنه حين أصبح سياسياً هبّ الجميع لمكافحته، وهذا يدل على خلل عميق في بنيتنا الفكرية.

حماية الأمن الفكري... هل يناقض حرية التفكير؟

- من المثقفين من يرى ذلك، فمصطلح الأمن حين يطلق تتبادر معاني عرفية لها ظلال بوليسية وعسكرية من مرادفاتها القوة والتسلط والحجر والتقييد، وهي نقيض طبيعي للحرية الفكرية، ولكن الأمن إذا نظرنا له بمنظار لغوي بحت وليس عرفياً فإنه على النقيض من الخوف، ويعني الاستقرار والطمأنينة والسلام.

فالغاية من الأمن الفكري - كما يطرح لدينا في الكرسي - هو تجديد الفكر وتنميته وإعادة تقويمه وتقويته، ليكون قادراً على الإسهام في تحقيق استقرار المجتمع وازدهاره وتقدمه، وأنا أسأل الإخوة المتحفظين على المصطلح: هل توافقون على المعنى؟

فإن وافقوا فليسموه ما شاءوا، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وأنا من المتحمسين إلى أن من مقومات الأمن الفكري تعزيز الحريات المسؤولة في التفكير والتعبير، وفي رأيي أن تلك الحريات المسؤولة شرط من شروط تحقق الأمن الفكري والسلام المجتمعي.

فعندما يكون الإنسان آمناً في تعبيره عن أفكاره ولا يلحقه أي أذى في نفسه وماله وحقوقه، فإن الأمن الفكري يتحقق حينذاك بلا شك، لأن مثل هذا الإنسان لن يستعمل العنف لفرض رؤيته على المجتمع، فالحريات المسؤولة مهمة جداً لتحقيق الأمن الفكري.

هل تظن أن جيل الأسئلة والبحث والفضاءات المعلوماتية سيستوعب مسألة الحماية كما يجب؟

- في نظري أن استعمال لفظ الوقاية لا الحماية أدق وأصح، والوقاية الفكرية لا تعني الوصاية على العقول، فهناك فرق كبير بينهما، لأن الوقاية مطلوبة من الجميع فأنت في حياتك تستعمل الوقاية من المخاطر الصحية والمالية والمشكلات الاجتماعية، فالتدابير الوقائية ضرورية في حياتنا، ومردودها إيجابي، لأنها تسهم في إسعاد الإنسان والحفاظ على كرامته. لذا عندما نقوم بتدريب الفرد على أدوات معرفية لتقوية مناعته الفكرية ليمتلك مهارات تمكنه من تمييز المضامين الفكرية البنّاءة من غيرها، ويعرف الفرق بين الحقيقة والإشاعة ونحو ذلك فيتقي المخاطر والمشكلات، فهذا مطلب يتسم بالسمو لا يأبه العقل السليم. إننا في عصر معلوماتي خطير لم تشهده البشرية في تاريخها، فحجم المعلومات الذي يصل إلى الإنسان الآن في شهر فقط ربما يوازي ما كان يصل إلى أجدادنا في عقود.

هذا التدفق المرعب يفوق طاقة العقل البشري على الاستيعاب والتعامل، ولذا نشأت فكرة الأمن الفكري، لأن التفكير في الأصل غير مدرب على مواجهة هذا الطوفان الكمي والكيفي الذي يسبب الاضطراب والخلط والتشويش في المفاهيم والقيم، والحل في تدريب التفكير على وسائل ذكية تساعده على تقوية مناعته.

خرج من مجتمعنا إرهابيون كُثر... من أنتجهم؟

- الإرهاب صناعة عالمية وليس عندنا فقط! إن هناك عوامل كثيرة تسهم في إنتاج الإرهابي، ومن أبين الخطأ أن يفسر بالعامل الخارجي فقط، فمثلاً رأيت من الباحثين السعوديين من يتهم الجماعات الاسلاميه المصرية بأنها هي من زرعت فكر العنف، ولولاها لما كان في المملكة.

ورأيت بعض الباحثين المصريين يقولون: إن سبب الغلو والعنف الديني في مصر مستورد من بلاد البترو - دولار حيث الفقه البدوي الصحراوي، وهذا في مجمله هروب من الطرفين في مواجهة الحقيقة.

إن عوامل المصنعة للإرهابي عدة منها المباشر والمساند، ومن أهمها: إغراء فكرة الجهاد والاستشهاد انتقاماً من قوى الاحتلال الأجنبي التي تمارس الظلم والاستكبار وتقوم بإذلال كرامة الشعوب الإسلامية، مع عجز النظام العربي والإسلامي عن اتخاذ أي مواقف قوية تجاه ذلك.

وهذا السبب يتضافر مع عوامل اجتماعية ونفسية عدة تخلق ما نسميه القابلية الفكرية للانقياد والانصياع، مع فهم مشوّه لنصوص الشريعة، ويغذيه فقدان لأي أمل في المستقبل وتغيير الواقع إلى الأفضل بسبب الفراغ والبطالة والحرمان الحقيقي أو النسبي بشتى صوره وأشكاله، ويعزز ذلك وجود ثقافة شعبية تمجد العنف المادي والرمزي كقيمة اجتماعية لحل المشكلات.

والذي تبين لنا بعد طول تجربة وبحث وتأمل أن الأوضاع النفسية التي تتشكل من عوامل كثيرة هي الأساس في قبول الأفكار المتطرفة، وعندما تتغير، فإن الأفكار أيضاً تتغير. وهذا الفكر العنيف المتمسح بالدين ينطوي على قدر كبير من الإغراء والإغواء لكثير من الشباب فهو يقدم لهم مشروعاً لتغيير الواقع الدولي والمحلي يعد ديناميكياً عملياً قابلاً للتنفيذ يتسم بالسهولة والسرعة، وهنا مكمن خطورته وجاذبيته الشديدة للشباب المحبط.

هناك مطالبات صريحة بتغيير لغة الخطاب الديني.... هل سينجح الأمر؟

- المطلوب - لكي ننجح في البقاء - هو أعمق من مجرد تغيير لغة بل المطلوب تجديد الفكر وإعادة تقويمه من خلال إصلاح الوعي الديني ليواكب مقومات ثقافة الأمن الفكري التي أشرنا لها سابقاً، وهذا أكثر وضوحاً من مصطلح (تغيير لغة الخطاب الديني)

نتلعثم في الحوار... هل نحن قوم نجادل وكفى؟

- الحوار عندنا ليس إلا ثرثرة ودردشة، مع تفريغ للاحتقان أحياناً، لم يترسّخ عادةً سلوكيةً، ولم يرتق ليكون جدلاً بنّاءً مثمراً يقوم على عادات راسخة وتقاليد ثابتة.

هل من الممكن أن يحمل المنهج الدراسي وزر توجهات لفكر الفئة الضالة؟

- لا أرى ذلك، فالدراسات العلمية المحلية التي اطلعت عليها تنفي هذا، كما أن المنهج السببي يقضي بضرورة توافر ركن مهم وهو الرابطة السببية بين المقررات وهذه الجرائم، وهذا ما لم يثبت حتى الآن في أي دراسة أكاديمية جادة.

نعم توجد بعض المقالات التي تتصيد عبارات هنا وهناك وتتعسف في ربطها بالأحداث، ولكنها غير قادرة على تأسيس رابطة سببية مقبولة علمياً، بل هناك أدلة مضادة تنفي هذا الطرح، فالجماعات الإرهابية مثلاً وجدت في مصر والجزائر قبل أن توجد لدينا، وبكل تأكيد المقررات الدراسية الدينية - ولا سيما هناك - مختلفة، وهذا دليل على أنها لا تكفي أن تكون سبباً، ولكن لا بد من لفت النظر لأمر مهم جداً وهو أن المنهج المستتر بمعناه السلبي الذي يقوم به بعض المعلمين المتعاطفين مع الأفكار المنحرفة هو الذي يجب التركيز عليه أكثر، فهذا المنهج أخطر من المقرر الدراسي.

ننتظر كثيراً، ونتريث أكثر.... ألن نفقد الركب هكذا؟

- سيمضي الركب بدوننا بلا شك وسنخسر الكثير بسبب خوفنا من الخطأ نقع في خطأ أكبر، ففي عصر السرعة هذا يصبح التباطؤ مفسدة كبرى يجب أن تدرأ.

هل تشعر بأن إعلامنا يهتم بتناول قضايا تعليم التفكير أم يحرص على تقديم ما يبطل كل تفكير؟

- في كثير من الأحايين أظن أن إعلامنا العربي ينساق خلف السهولة والتركيز على ما يطلبه الجماهير، وأظن أن الإعلام العالمي بصورة عامة في طريقه للتخلي عن التمسك برسالته التوعوية، إنه ينزلق بشكل مفزع إلى القاع ليجعل المعيار هو الكسب المادي فقط.

لك رؤية مفادها أن الأمن الفكري في حقيقته مشروع إصلاح للفكر الديني... ألا تظن أن الفكر الديني هو من يحدد ملامح الأمن الفكري؟

- رؤيتي للأمن الفكري هي أنه مشروع وطني عملاق لإصلاح التفكير وتجديده وإعادة تقويمه، والتجديد سنة إلهية، ففي الحديث النبوي: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها).

ونحن اليوم بعد هذه المتغيرات السريعة كماً، والكبيرة كيفاً نحتاج بقوة إلى إصلاح الوعي الديني لدينا، وفي تقديري أن مشروع الأمن الفكري بمعناه الشامل وليس كما يطرحه البعض وكأنه (لاءات محددة) تمارس المنع والحظر، هو في صميمه مشروع إصلاحي للوعي الديني في أمور كثيرة.

   طباعة 
5 صوت
                                       التعليقات : 1 تعليق
« إضافة تعليق »

30-07-2015

(غير مسجل)

الحسناء

الموضوع رائع جداً والله يقويك ويعينك وإن شاالله تكون مفتاح خير للتغير للأفضل

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 6 =
أدخل الناتج