المقال
الدحض الذاتي لـ (نسبية الحقيقة) - 2
5004 زائر
23-04-2017
د.خالد الدريس

:

:

الدّحض الذاتي لـ (نسبية الحقيقة ) - 2

:

:

.. خلصنا في المقال السابق إلى أن مقولة نسبية الحقيقة تؤدي إلى القول بعدم وجود أي حقيقة مطلقة، وأن كل الحقائق بلا استثناء هي حقائق غير متفق عليها يقيناً، ومعرضة للاختلاف وعدم الاتفاق بتغير الزمان والمكان واختلاف الأحوال والأشخاص، وكان انتقادنا لمقولة (نسبية الحقيقة) مبنياً على أمرين :

:

.. الأول: أنها المقولة غامضة وغير واضحة ؛ لأنها أهملت العديد من التفاصيل المهمة والمؤثرة في تصور الحقيقة وتطبيقاتها الواقعية .

.. الثاني: أنها تتسم بالتعميم الجائر متجاهلة التخصيص والتقييد وهما من صفات الصياغة العلمية الدقيقة في المنهج العلمي الموضوعي ، مما أوقعها في الغفلة عن حقائق الرياضيات البدهية وبعض حقائق العلوم الأخرى .

:

.. وسنقوم في هذا المقال بمحاكمة مقولة (نسبية الحقيقة) إلى الدحض الذاتي وهو وسيلة نقدية مهمة لسبر صحة القوانين والنظريات والأحكام المعيارية .

:

.. ما معنى الدحض الذاتي ؟

:

.. نقصد بالدحض الذاتي: أن كل مقولة أو قانون أخلاقي أو علمي يجب ألا يتناقض مع نفسه ، ويتم التحقق من ذلك ، بتعريضه لاختبار (الدحض الذاتي) أي بأن يطبق مضمونه على نفسه، ويُحاكم إلى معناه وفحواه، ومثال ذلك: لو قال قائل : (الكراهية تربح دائماً) فيُقال له : وماذا عن قولك هذا لو كرهناه ألسنا سنربح أيضاً ؟!

:

.. فإن كانت مقولتك صحيحة فيجب أن نكرهها لنربح، وينتج عن ذلك أن الدعوة إلى الكراهية تعود بالنقض على نفسها، وتنتهي إلى أن الكراهية تصبح مكروهة إعمالاً لمبدأ الدحض الذاتي .

:

.. ومثال آخر : لو قال قائل : ( الحب يكسب دائماً ) فنقوم بتسليط مبدأ الدحض الذاتي على المقولة نفسها ، فسنجد النتيحة محبة الحب أي قبوله، وعليه تصبح المقولة صحيحة لأنها لا تناقض نفسها ، ولكن قد يُعترض عليها بوسائل نقدية أخرى يتم فحصها من خلالها ليس منها مبدأ الدحض الذاتي .

:

.. كذلك مقولة : ( النقد مهم ) إذا كانت صحيحة فعلى النقد أن ينتقد نفسه، وكذلك مقولة: ( الشك ضروري ) تقتضي وفق وسيلة الدحض الذاتي أنه لا بد من التشكيك في مبدأ الشك نفسه، وأن يُخضع الشكُ ذاتَه لذاته، إن كان صادقاً وواثقاً من سلامة نتائجه، وعند ذلك سيكون الشك محل محاكمة، ولن يسلم من جملة تشكيكات كثيرة أيضاً ، فما يفعله الشك في الآخرين، سيتعرض له بالضرورة ، مما يوهن أهميته ويُقلل من كبريائه ودعاواه .

:

.. ولن يسلم من ذلك حتى مقولة : (الدحض الذاتي وسيلة مهمة لفحص التناقض) التي نحن بصددها، وعليه نقول : ليست نتائج الدحض الذاتي دائماً هي التناقض ، فقد تكون النتيجة هي القبول والسلام من التضاد والتنافي والتناقض .

:

.. كما يجب التشديد على أن وسيلة ( الدحض الذاتي ) هي وسيلة ضمن مجموع الوسائل المستعملة في الفحص والنقد وليست هي الوحيدة فقط ، والهدف الرئيس من الدحض الذاتي ألا تعود أي مقولة بالنقض على نفسها فتبطل بذك ، وبمعنى آخر الهدف منها هو الكشف عن سلامة أي قانون أخلاقي أو علمية من التناقض الداخلي ، والتحقق من اتساقه مع نفسه ؛ ليكون ككل الحقائق يجب أن تكون صادقة صحيحة .

:

.. حُجية الدحض الذاتي :

:

.. تستمد وسيلة الدحض الذاتي حجيتها ، من أهمية الصدق بوصفه قيمة علمية وأخلاقية محورية في العلوم والأخلاقيات ، وكذلك تستمد الوسيلة حجيتها من قيمة العدل بما يعنيه من موضوعية وإنصاف وأمانة .

:

.. ويطيب لي هنا أن أستدل بقول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون .. كبُر مقتاً عند الله أن تقولُوا ما لا تفعلون ) [ الصف: 2-3]

:

.. فالله عزوجل يكره أن يقول المؤمن ويُعلن شيئاً وهو لا يعمل به، وهذه قيمة أخلاقية كبرى بلا شك، لا يُخالف فيها عاقل ، ومصدر هذه القيمة الصدق والعدل ، فعندما يأمر المؤمن أو ينهى عن شيء ولا يعمل بذلك فهو متناقض يقول شيئاً ويفعل غيره، وهذا التناقض ضد الصدق، وهو مؤشر على الكذب، لأن الصدق ما طابق الواقع ولم يخالفه ، كما أن الموضوعية تقتضي أن يكون العمل منسجماً مع القول .

:

.. وهذا الإستدلال وإن كان يخص عالم البشر ، فلا يوجد أي مانع من نقله من مجاله إلى مجال الأفكار ، فحتى في عالم الأفكار يحظى الصدق بقيمة محورية جوهرية أساسية ، ووسيلة الدحض الذاتي الغاية منها أن تقوم بعملية تحقق من وجود التناقض المضاد للصدق أو عدم وجوده ، ولذا أرى أن هذا النص القرآني مع ما هو مستقر من كلام علماء المنهجية والمنطق هو الحجة العلمية على أهمية (الدحض الذاتي) بوصفه وسيلة تؤدي لاختبار الصدق والتناسق بين أي فكرة على المستوى النظري موازنة بتطبيقها على المستوى العملي ، فكل مقولة علمية أو أخلاقية يخالف منطوقها اللفظي ، تطبيقاتها العملية الواقعية ، فيجب إعادة النظر فيها وعدم التسليم بصحتها.

:

.. نسبية الحقيقة تحت مجهر الدحض الذاتي :

:

.. منطوق مقولة ( نسبية الحقيقة ) أو ( الحقيقة نسبية ) أن كل الحقائق نسبية بلا استثناء ، ومن تلك الحقائق التي تدخل تحت معنى المقولة ، المقولة نفسها ، فهي في واقع الأمر تخبرنا عن حقيقة وبهذا الاعتبار تدخل المقولة ضمن الحقيقة التي تتحدث عنها .

:

.. وبناء عليه تكون حقيقة ( نسبية الحقيقة ) معرضة للدحض الذاتي ، لننظر في مدى صدقها وتناغمها مع نفسها ، فإذا كانت كل الحقائق نسبية فإن نسبية الحقيقة هي نسبية أيضاً ، إعمالاً لمضمونها العام الشامل الذي لا يستثني شيئاً ، وينتج عن ذلك أن المقولة تسقط من حيث التعميم الذي تتبناه ، فهي تعود بالنقض على نفسها ، وهنا يصبح لا مفر من أمرين :

:

.. 1 - إما إن تكون مقولة نسبية الحقيقة ؛ نسبية أيضاً ، وعليه فهي إذن غير صادقة و غير قابلة للتعميم لكونها نسبية تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال والأشخاص ، و من لوازم هذا إمكانية وجود حقائق مطلقة .

:

.. 2 - أو تكون حقيقة مطلقة ، فهي إذن تناقض معناها ومفهومها من أن كل الحقائق نسبية ، وهذا يذكرني بقاعدة في أصول الفقه ذكرها بعض العلماء وهي قاعدة : ( ما من عام إلا وقد خًص منه البعض ) فقال بعض العلماء : حتى هذه القاعدة ليست على عمومها ، وقد دخلها التخصيص، ينظر أصول الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص 381) ، وهذا من استعمال علمائنا رحمهم الله لوسيلة الدحض الذاتي .

:

.. ومن الغريب أن (نسبية الحقيقة) جاءت لمواجهة مقولة : إن الحقيقة مطلقة ، فوقعت في ذات المشكلة التي فرت منها واستهدفت نفيها ، فقدمت نفسها على أنها حقيقة مطلقة ، وهذا إسراف وتطرف لا يرتضيه المنهج العلمي ، والصواب كما قلنا : إن كثيراً من الحقائق نسبية ، إلا أن التسليم بوجود حقائق مطلقة ولو كانت قليلة من حيث الكم هو الذي يقتضيه التفكير العقلي الموضوعي بعيداً عن التطرف والتعميم .

:

.. ولأني أعلم أن بعض الناس لن يقبل بأي طرح فكري ما لم يجده عند الغربيين فسأنقل لكم ما يثبت أن مقولة نسبية الحقيقة انتقدت بما يشابه طرحي السابق ، فمن ذلك أن الفيلسوف المعاصر (كارل بوبر) قال في كتابه : " النفس ودماغها " (ص 232 ) : (( غير أننا نرفض النتائج النسبية بوصفها مبطِلة لذاتها ، وبوصفها انهزامية )) ويعلق الدكتور عادل مصطفى على هذا الكلام مشيراً إلى أن : " النسبيون " دائماً عُرضة لخطر مهني ، وهو نَشْر الغصن الذي يجلسون عليه بالمنشار .. فالنسبيون يُعرّضون أنفسهم لرد من جنس دعواهم ذاتها ، فأي "نسبي" تصبح دعواه ذاتها في أفضل الأحوال مبررة بالنسبة لإطاره النسبي الخاص به ، ومعقولة بالنسبة لمعاييره النسبية الخاصة به ، وهي نتاج بيئته كأي حقيقة نسبية أخرى !!

:

.. ويقول أستاذ الفلسفة في أكسفورد "نيغيل واربورتون" في كتابه (الفلسفة الأسس) (ص 104) في مبحث نقد النسبية الأخلاقية : (( هل يعاني القائلون بالنسبية من عدم الاتساق ؟ يُتهم أصحاب نظرية النسبية الأخلاقية أحياناً بعدم الاتساق ؛ لأنهم يقولون : إن كل الأحكام الأخلاقية نسبية ، ولكنهم في الوقت ذاته يريدون منا أن نعتقد أن نظرية النسبية الأخلاقية نظرية صائبة بصورة مطلقة ، وهي إشكالية مهمة تواجه مؤيد النظرية، الذي هو نسبي كذلك فيما يتعلق بالحقيقة .. وهذه النظرية هي حكم أخلاقي مطلق، لا يتوافق تماماً مع المقدمة المنطقية للنسبية المعيارية ، وهذا النقد يُدينها )) .

:

.. ولا دليل أقوى على ضعف نظرية أن يكون مضمونها يعود بالنقض على نفسها، كما رأينا في مقولة: ( نسبية الحقيقة ) التي يلهج بها كثير من الشكاكين المعاصرين ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!

:

:

   طباعة 
4 صوت
                                       التعليقات : 2 تعليق
« إضافة تعليق »

16-05-2013

(غير مسجل)

أمل الصالح

.



.


.


متأكدة كل التأكد أن الحق مع الله فقط .

04-12-2012

(غير مسجل)

ساعد وطني

لا أحد يملك الحقيقة المطلقة..

نفع الله بكم

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 2 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات