المقال
عندما ماتت جدَّتي
2136 زائر
13-04-2017
د.أميرة الصاعدي

:

:

عندما ماتت جدَّتي

:

:


.. قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) .

:
.. ماتت جدتي قرة أعيننا ، وسلوى قلوبنا ، ومن لها حقٌ علينا ، فقد أكرمتنا كثيرا بتفقدها لنا وسؤالها عن صغيرنا قبل كبيرنا وبهداياها الممتعة ، فتلك سجادة أصلي عليها فأتذكرها بدعوة صادقة ، وذلك ثوب كستني به فأسأل الله أن يكسوها من ثياب السندس والإستبرق ، وإن كنت أنسى فلا أنسى دعواتها المباركة لي بصلاح أبنائي وهدايتهم ، فاللهم ثبتها عند السؤال وارزقها الفردوس الأعلى .

:
.. ماتت جدتي وتركت أثراً لا يُملأ بعدها أبداً ، ورحلت عنا كسحابة صيف مرت سريعاً ، فلم نهنأ بظلها طويلاً ، ولم ننعم بثمار صحبتها كثيراً ، فقد شغلتنا دنيانا وألهانا أولادنا ومعاشنا ، فاللهم اجمعنا بها في جنات النعيم على سرر متقابلين .

:
.. ماتت جدتي فغسلتها وكفنتها وقبلت بين عينيها قبلة وداع ونظرت إليها نظرة أخيرة ، غسلتها بيدين ترتعشان وقلبٍ يضطرب وعينان زائغتان لا تكاد تصدق خبرها ، غالبت دموعي وتنكرت لقلبي وأرغمت نفسي ، فلمست جسدها الطيب فعجبت من لينوته وبرودته وكأني أقلبها نائمة ، وقد سكنت روحها وهدأت نفسها وارتخت مفاصلها ، بعد طول معاناة مع مرض فاجئاها فلم يمهلها ، وكان بها رحمة ونعمة وكفارة لذنوبها ومحوا لخطاياها، غسلتها وظفرت شعرها كأم تظفر لبنيتها الصغيرة فلا حراك ولا توجع ولا تمنع .

:
.. ماتت جدتي فبكتها أمي بكاء مراً مؤلماً ، فأحرقت دموعها فؤادي ، وأقض مضجعي توجعها وأنينها وحرقة قلبها ، فاللهم اربط على قلبها وصبّر فؤادها ، واسلُل فجيعة قلبها ، وارحم ضعفها ، وأملأ قلبها رضى وصبراً واحتساباً ياكريم .

:
.. رحلت جدتي فقالوا فلانة رحمها الله ، بعد أن كان يقال شفاها الله وعافها ، فبالأمس كانت حية ترزق يُرجى لها الصحة والعافية ، واليوم في عداد الموتى يُترحم عليها ، وكل ذلك بين غمضة عين وانتباهتها يفعل الله ما يشاء ويقدر .

:
.. بعدما بلغني الخبر، فزعت إلى صلاتي، فشرعت استفتح: (اللهم نَقِّنِي من الْخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ من الدَّنَسِ اللهم اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَد)، تذكرت أني اليوم أدعو بها لنفسي ، وغداً غيري يدعو لي بذلك ، فتأملت الحياة فإذا هي قصيرة حقيرة هينة ، لا تساوي شيئاً ، ولا تعدل جناح بعوضة ، فلمَ التناحر والتنافس والتباغض ، ولمَ التحاسد والتنافر ، وهي دنيا فانية ومتاع زائل وعمر قصير ، ربما نتخاصم فيها على لحظات غفلة وزلات هوى ، ونتقاطع فيها على كلمات عبرت بلا وعي ، وعبارات خرجت بلا وزن ، فنظل عمراً لا ننساها، ودهراً نتجرع مرارتها، وننسى حالنا مع العزيز الجبار، ونغفل عن مآلنا يوم الحشر والمعاد، ونتكبر على مالك الأرض والسموات، ولا نكاد نذكر سكرة الموت وشدت ، ونزع الروح وهيبته، ورؤية الحق وملائكته ، وحفرة القبر وضمته، وسؤال منكر ونكير ورهبته، فاللهم ثبتنا عند السؤال وبيض وجوهنا يوم تعرض الأعمال ، وآتنا كتابنا بيميننا ، وأدخلنا الجنة بغير حساب .

:

:

د. أميرة بنت علي الصاعدي

22/ 10/ 1433 هـ

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
8 + 8 =
أدخل الناتج
                                       روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
                                       جديد المقالات
مدرسة جدي رحمه الله - مرفا رسائل الراحلين
بخٍ بخٍ .. ربحت تجارتكِ يا أبرار - مرفا رسائل الراحلين