الاستشارة
تغطية وجه المحرمة
2109 زائر
13-04-2017
غير معروف
أ.د. خالد بن منصور الدريس
 

أجمع كثير من العلماء على وجوب كشف المرأة وجهها في الحج بدون حضرة رجال أجانب، وأقوى دليل يستدلون به حديث عائشة –رضي الله عنها – قالت:" كنا مع رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه".

وهذا الحديث أخرجه هو من طريق مجاهد عنها وفي إسناده ضعف. فتح الباري - ابن حجر [3 /406] .

ومن قال بجواز الكشف والتغطية دليلهم : عدم ثبوت صحة أدلة الموجبين للكشف . فهل أختصر الوقت و أسلم للحافظ ابن حجر في حكمه أو أجمع الطرق وأدرس الأسانيد، خصوصا أني أحتاج هذه المسألة في مناقشة علمية.

 

زادكم الله فهما وعلما نافعا وعملا خالصا..

:

أشير عليكم بما يلي :

:

ما دام المقام مقام مناقشة علمية، وهي في حكم المناظرة، فالواجب وليس الأفضل فقط أن تدرسي المسألة وتجمعي ما ورد في الباب، ولابد أن تلاحظين وفقك الله بدقة وتمييز ما أقوله : الواجب على طالب الحديث المتخصص فيه أن يجمع وينظر نظر الناقد الفاحص كل ما ورد في الباب، ولا يكفيه مجرد جمع طرق حديث عائشة فقط، مثلاً ،أو الاكتفاء بحكم عالم كابن حجر أو الذهبي، فإن علل الحديث كما لا يخفى عليكم: لا تظهر بجمع طرق الحديث محل النظر فقط، كما قد يتوهم بعض المعاصرين، بل إن نص أئمة العلل والنقد هو على ضرورة جمع أحاديث الباب، وهذا أشمل وأدق وأعمق ممن تأول كلامهم على جمع طرق حديث واحد هو محل البحث، وبهذا تتكشف للناظر العلل ويحيط بالمسألة محل البحث.

:

ولذا عاب الإمام أحمد على من كتب المسند ولم يتتبع الموقوفات ونحوها، وذكر أن الموقوف قد يعل المسند المرفوع، ولذا أشدد على طلابي وطالباتي خاصة في الدراسات العليا ممن أدرسهم العلل بضرورة هذا الأمر، وأضرب لهم أمثلة عدة من الواقع، وكيف يمكن لنا أن نكتشف الكثير من العلل، ونتوصل إلى الإبداعات المعرفية، وننمي المهارات العلمية البحثية التي ربما لم يتطرق لها الأئمة المتقدمون فيما بلغنا عنهم.

:

وإليكم البرهان على ما أقول من خلال المسألة الذي تفضلتم بطلب رأيي فيها ، وهي هل نكتفي بحكم الحافظ ابن حجر أو نبحث ؟

:

أقول : من المعلوم أن مما يذكره العلماء في باب تغطية المحرمة لوجهها ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها-، ولم تستوفوا ألفاظه، وإلا فقد ضعفه آخرون غير ابن حجر، وهو عند أحمد في المسند وأبي داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بلفظ مقارب لما أوردتموه.

:

وفي الباب ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ من طريق هشام بن عروة عن زوجته فاطمة بنت المنذر وهي حفيدة أسماء بنت أبي بكر ، قالت : ( كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ) ، وفي لفظ آخر قالت فاطمة بنت المنذر : ( كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمشط قبل ذلك في الاحرام ) كما في مستدرك الحاكم وصححه على شرط الشيخين ، وهو كما قال، لأن مداره على هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء وهذا سند صحيح الغاية .

:

وأصل الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- محفوظ ولكن موقوفاً عليها ، فقد ثبت عنها أنها قالت : ( المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ) . أخرجه البيهقى ( 5 / 47 ) بسند صحيح عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها ، وكذا أسنده ابن حزم في المحلى عن شعبة بنحوه وفيه ذكر سدل الثوب على الوجه ، وعلق البخاري أكثره في صحيحه وليس فيه ذكر السدل وقد خرجه ابن حجر في الفتح وتغليق التعليق من سنن البيهقي الكبير وفاته ذكر المحلى لابن حزم .

ونقل ابن حجر في الفتح عن سنن سعيد بن منصور : حدثنا هشيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ( تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها ) وهذا إسناد صحيح .

وهذه المسألة مجمع عليها بين العلماء قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال".

ولا أستبعد أن يكون يزيد بن أبي زياد قد حفظ أصل هذا الحديث، وإن كانت لفظته الدالة على رفعه بأنه كان في زمن الرسول -عليه الصلاة والسلام- انفرد بها يزيد مع ضعفه، فهي منكرة جداً، والمحفوظ عن عائشة موقوفاً كما رواه الثقات عنها ؛ أما أصل الحديث دون ما انفرد به يزيد فله شواهد عن عائشة -رضي الله عنها - تدل على عدم نكارة أصله، وممن مال لتقوية حديث يزيد عن مجاهد عن عائشة ابن خزيمة في صحيحه مع توقف وتردد لحال يزيد ففي التلخيص الحبير: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طريق مجاهد عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذُونَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ). وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ : "فِي الْقَلْبِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ".

وَلَكِنْ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ جَدَّتُهَا نَحْوُهُ وَصَحَّحَهُ ... وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: ( كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقُلْت لَهَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هُنَا امْرَأَةٌ تَأْبَى أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ فَرَفَعَتْ عَائِشَةُ خِمَارَهَا مِنْ صَدْرِهَا فَغَطَّتْ بِهِ وَجْهَهَا ).

:

قلت : وإسماعيل بن أبي خالد ثقة ثبت وقد أخرج خبره هذا ابن سعد في طبقاته ولكنه فيه عن أمه وأخته وكلاهما مجهولتان ، ولايخفى عليكم ما قاله الذهبي في مجاهيل النساء من حيث ليس فيهن متروكة أو متهمة فمابالك إذا كن من التابعيات وليس في روايتهن ما ينكر بل يستأنس بها هنا باعتبارها شاهداً .

:

وحديث يزيد بن أبي زياد سكت عنه أبو داود في سننه وشرطه أنه صالح عنده مع أنه ضعف يزيدا في سؤالات الآجري ، وممن قوى الحديث غير من تقدم ابن الجارود بسوقه له في كتابه المنتقى - وهو ملحق بكتب الصحاح - وكذا الألباني في حجاب المرأة المسلمة وإن كان ضعفه في كتب أخرى ، وفضيلة الشيخ عبدالمحسن العباد ممن قوى الحديث ونقل أن الألباني قواه في موضعين من كتبه كتاب الحجاب وفي تعليقاته على مشكاة المصابيح .

:

وأقول بناء على ما تقدم : يعلم أن تضعيف الحافظ ابن حجر لو اقتصرنا عليه دون نظر وفحص وتتبع لأحاديث الباب لم يشف غليلنا ولم يقو حجتنا في مناظرة المخالف .. لذا كان رأيي الذي أستعمله لنفسي وأشير به عليكم أن لا يكتفي الباحث مثلكم بحكم الحافظ ابن حجر أو الذهبي ويتتبع الطرق وأحاديث الباب ويستعين بالله في ذلك ، ومن كان قادرا على الاجتهاد فلا يليق به أن تتضاءل همته ، والمولى سبحانه يفتح على عبده المؤمن من كنوز المعرفة متى ما علم صدقه وإخلاصه واجتهاده في طلب الحق .. أسأل الله أن يديم عليكم نعمه وأن يجعلكم هداة مهتدين.

جواب السؤال صوتي
   طباعة 
                                       التعليقات : 1 تعليق
« إضافة تعليق »

11-10-2013

(غير مسجل)

ايمان

اللهم زدنا علما وانفعنا بما علمتنا

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 6 =
أدخل الناتج