المقال
رمضان يحزم حقائب رحيله
1910 زائر
17-08-2011
أ.د. خالد الدريس

:

:

رمضان يحزم حقائب رحيله

:

:

رمضان ضيف عزيز مرتحل ، يحل في مرابعنا اليوم ، ثم يحزم حقائبه ويسافر غداً ، ساعاته ثمينة ، ولياليه مليئة زاخرة ، والكيّس الذي لا يدع ساعات الليل وأطراف النهار إلا ويجعلها مطية طاعة ، ومركب عبادة ، فبادروا إلى اغتنام نفحات رمضان ، ولا تلهينكم الحياة الفانية ، ولا تفتنكم زينتها الزائلة ، ألا يكفينا ما فرطنا في أشهر السنة الأخرى ؟!!


أفلا يستحق منا شهر العتق والغفران أن نحسن إكرامه وضيافته ؟!!

فنملأ خزائن ليله ونهاره بطاعة الرحمن تبارك وتعالى ، ليشهد لنا يوم القيامة .

فيا من ضيع عمره في غير الطاعة..

يا من فرط في شهره بل في دهره و أضاعه ..

يا من بضاعته التسويف و التفريط و بئست البضاعة ..

يا من جعل خصمه القرآن و شهر رمضان .. كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة ؟!


أيها الأحبة:

إن طول الأمل يؤدي بالإنسان إلى تسويف الأعمال الخِيرة ، وتأجيلها بدعوى أن العمر طويل ، والتسويف بالأعمال الصالحة في شهر رمضان مفسدته كبيرة ، وجريرته عظيمة ، ومصيبته خطيرة ، وصدق من قال عن التسويف أنه من أكبر جنود إبليس ، و التسويف عادة استحكمت في نفوس كثير من الخلق ، وهي عادة مهلكة يغذيها شعور غبي ، لأن التسويف تكتنفه آفات خطيرة ، من أهمها :


الآفة الأولى: أن المسوف لا يضمن أن يعيش إلى الغد ، وما أكثر موت الفجأة في أيامنا هذه .


الآفة الثانية: أن المسوف ، وإن بقي إلى الغد ، فلا يأمن المعوقات من مرض طارئ ، أو شغل عارض ، أو بلاء نازل ، إلى غير ذلك من الصوارف الكثيرة .


الآفة الثالثة : أن المسوف ، يتجاهل أن لكل يوم عمله الخاص به ، ولكل وقت واجباته المختلفة ، فليس هناك وقت فارغ من العمل المتجدد .


الآفة الرابعة : أن تأخير المسوف للطاعات وفعل الخيرات ، يجعل النفس تعتاد تركها ، والعادة إذا رسخت أصبحت طبيعة ثانية يصعب الإقلاع عنها ، حتى إن المرء ليقتنع عقلياً بوجوب المبادرة إلى الطاعة ، وعمل الصالحات ، ولكنه لا يجد من إرادته ما يعينه على ذلك ، بل يجد تثاقلاً عن العمل ، وإعراضاً عنه ، وإذا خطا يوماً إليه خطوة كان كأنما يحمل على ظهره جبلاً ، والنفس إذا ألِفت ارتكاب المعاصي ، والتقلب في الذنوب والشهوات ، فإنه يعسر فطامها عنها ، لأنها كل يوم تزداد شغفا بها ، وملاصقة لها ، ويزداد حجم المعصية في القلب حتى يغشاه سوادها ، ويعمه ظلامها .

ورحم الله ابن الجوزي إذ يقول : ( أيها الناس إن شهركم هذا قد انتصف ، فهل فيكم من قهر نفسه وانتصف ، وهل فيكم من قام فيه بما عرف ، وهل تشوقت هممكم إلى نيل الشرف ، أيها المحسن فيما مضى منه دم ، وأيها المسيء وبخ نفسك على التفريط ولم ، إذا خسرت في هذا الشهر متى تربح ، وإذا لم تسافر فيه نحو الفوائد فمتى تبرح ، كان قتادة يقول : كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له ) .

لقد أصبحت أوقاتُ كثير من الناس اليوم في رمضان بين بطالة وغفلة ، وشرور ومعاصٍ ، وإسراف في المباحات ، واجتماعات لا فائدة منها ، فنهارهم كسل ونوم ، وليلهم سهر ولهو بالباطل ، فإذا سألت أحدهم لماذا فعلت ذلك ؟


أجابك ببرود : أضيع الوقت ، وآخر يجيبك : ماذا نفعل نقتل الوقت ، كأن الوقت أصبح عدواً له فهو في حرب معه ليقتله ، وما علم المسكين أنه يقتل نفسه .


كيف يستشعر أولئك روح الصوم ونفحاته ؟

مادام أحدهم يقضي نهاره في النوم ، أم كيف يستلذ أحدهم بحلاوة المناجاة الربانية ما لم يعش ظمأ النهار وجوعه ، إذ أن من مقاصد الصيام أن يجوع الإنسان ويعطش ، حتى تخمد ثورة شهواته ، ونار نزواته ، وحتى يستشعر الروابط الإيمانية بينه وبين فقراء المسلمين الذين لا يجدون ما يكفيهم ، ثم بالله أخبروني كيف يدرك أولئك القوم الحكمة من الصوم ؟

وكيف هو ذكرهم لله ؟

بل أين اغتنام بركات هذا الشهر المبارك في تصرفاتهم اليومية ؟


( يا ذا الذي ما كفاهُ الذنبُ في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبانِ )

( لقد أظلك شهر الصوم بعدهما ... فلا تصيره أيضا شهر عصيان )

( و اتل القران و سبح فيه مجتهدا ... فإنه شهر تسبيح و قرآن )

( واحمل على جسد ترجو النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران )

( كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل و جيران و إخوان )

( أفناهم الموت و استبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني )

( و معجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان )

( حتى متى يعمر الإنسان مسكنه ... مصير مسكنه قبر لإنسان )

اللهم لا تجعلنا من الغافلين ، وأكرمنا بمغفرتك ورضوانك في هذا الشهر الكريم ، اللهم تقبل منا صيامه وقيامه ، وتجاوز عنا بمنك وكرمك يا ذا الجلال والإكرام .

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 1 تعليق
« إضافة تعليق »

25-08-2011

(غير مسجل)

Fajr

رمضان يمضي وانا لا زلت لم ارتوي منه .! وكلما حاولت ان تتشبع روحي منه وجدتها تزداد جوعا واقف لأسأل ' ان رحل غداً فهل سالتقيه مرة اخرى ؟لا اشعر انني اكتفيت ولن اكتفيً..اريده ان يبقى اكثر ففيه حتى الأرواح تقر وتهدا وتعرف طعم الحياة التي من اجلها خلقت .. العالم كله يسكن والبشر تستكين.كيف سا فرح عيدا وانا لم أكتسي حقا برمضان !! ولم أتسوق منه ما يكفيني للفرح ... مهما صنعت فيه سأشعر انه ناقصً... وإنني لم احتفي به كما يليق . اللهم بارك لنا فيما بقي منه واعفوا عنا فيما رحل منه ولم نملئه .امين

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
2 + 3 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات