المقال
أعزّ شيء في هذه الدنيا
2362 زائر
08-08-2011
أ.د. خالد الدريس

:

:

أعزّ شيء في هذه الدنيا

:

:

كل شيء ثمين فهو بالضرورة نادر.. أليس كذلك ؟ !

:

أتدري ما أعز شيء في هذه الدنيا ؟ وما أصعب شيء على النفس البشرية ؟!

:

لنرحل في سفينة الزمن بحثاً عن أناس عاشوا للآخرة يخبروننا عن تجاربهم الروحية ويجيوبننا عن أسئلتنا ..

:

قال يوسف بن الحسين الرازي : "أعزُ شيءٍ في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهدُ في إسقاط الرياءِ عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخر ".

وقال سهل بن عبدالله التُستري : " ليس على النفسِ شيءٌ أشقَ ، من الإخلاصِ ؛ لأنه ليس لها فيه نصيبٌ" .

:

اعلموا حمانا الله وإياكم من كل شر أن إغواءَ إبليس لابن آدم من أهم أسباب ضعف الإخلاص، ولا ينفك لعنه الله يكيد العباد بمكائده المتنوعة ليُلبّس عليهم نياتهم. ومما يوضح ذلك بصورة حسنة هذه القصة التي أسندها صاحبُ كتابِ (تلبيسُ إبليس) عن التابعي الجليل الحسنِ البصري -رحمه الله تعالى- أنه قال : "كانت شجرةٌ تعبدُ من دونِ اللهِ، فجاءَ إليها رجلٌ فقال: لأقطعنّ هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضباً لله ، فلقيه إبليسُ في صورة إنسان، فقال : ما تريد ؟ قال : أريد أن أقطعَ هذه الشجرةُ التي تُعبدُ من دون الله .

قال : إذا أنتَ لم تعبُدْها فما يضرُكَ من عبدها ؟ قال الرجل : لأقطعنها .

فقال له الشيطان : هل لك فيما هو خيرٌ لك ، لا تقطعها ، ولك ديناران كلُ يوم إذا أصبحت عند وسادتك .

قال الرجل : فمن أين لي ذلك ؟ ـ يعني من سيؤدي لي هذا المبلغ - ؟!

فقال الشيطان : أنا أضمن لك .

فرجع ذلك الرجل ، فلما أصبح وجد دينارين عند وسادته ، ثم أصبح بعد ذلك ، فلم يجد شيئا ، فقام غَضِبا ليقطعها ، فتمثل له الشيطان في صورته ، وقال : ما تريد ؟

قال : أريد قطع هذه الشجرة التي تُعبدُ من دون الله تعالى !

قال الشيطان له : كذبت ، مالك إلى ذلك من سبيل .

فذهب الرجلُ ليقطعها ، فضرب الشيطان به الأرض وخنقه ، حتى كاد يقتله ، ثم قال له : أتدري من أنا ؟ أنا الشيطان ، جئتَ أولَ مرة غَضَباً لله ، فلم يكن لي عليك سبيل ، فخدعتك بالدينارين فتركتَها ، فلما جئتَ غضبا للدينارين ، سُلطتُ عليك " . انتهى ..

:

وحيلُ الشيطانِ ، وتلبيساتُهُ لإفساد إخلاصِ العاملين كثيرةٌ ومتعددة ، قال الفضيل بن عياض : "لا يتركُ الشيطانُ الانسانَ، حتى يحتالُ له بكلِ وجهٍ ، فيستخرجُ منه ما يُخبرُ به من عملهِ ، لعلهُ يكون كثيرَ الطوافِ ، فيقول : ما كان أحلى الطوافَ الليلةَ ، أو يكون صائما فيقول : ما أثقلَ السحور ، أو ما أشدَ العطش" ..

ولكثرة مكائد الشيطان وتنوعها ، أصبح الإخلاص على قلوب العباد ليس بالأمر الهين ، وقد صرح غير واحد من السلف بذلك ، كما قال سفيان الثوري: "ما عالجتُ شيئاً أشدَ عليّ من نيتي ؛ لأنها تتقلب علي" ، وقال يوسف بن أسباط : "تخليصُ النيةِ من فسادِها ، أشدُ على العاملين من طول الاجتهاد" . وبنحو ذلك قال العلامة أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الماتع (صيد الخاصر) : "ما أقلَ من يعملُ لله تعالى خالصا ؛ لأن أكثرَ الناسِ ، يحبون ظهورَ عباداتِهم ، فاعلم أن تَرْكَ النظرِ إلى الخلقِ ، ومحوَ الجاهِ من قلوبهم بالعملِ ، و إخلاصِ القصدِ ، وسترِ الحالِ ، هو الذي رفعَ من رفعَ - يعني من علماء السلف -.. ." ثم أخذ يتكلم عن بعض علماء عصره ممن أَلفوا الأبهة والجاه ، فقال : "و لقد رأيت من الناس عجبا حتى من يتزين بالعلم إن رآني أمشي وحدي أنكر علي ، و إن رآني أزور فقيرا عظّمَ ذلك ، و إن رآني أنبسِطُ بتبسم ، نقصتُ من عينه . فقلت : فواعجبا ! هذه كانت طريقُ الرسولِ -صلى الله عليه و سلم-، و أصحابِهِ -رضي الله عنهم- . فصارت أحوالُ الخلق ، نواميسَ لإقامة الجاه ، لا جرمَ ـ و الله ـ سقطتم من عينِ الحقِ ، فأسقطكم من عينِ الخلق . فالتفتوا ـ إخواني ـ إلى إصلاح النيات ، وترك التزيُنِ للخلق ، ولتكن عمدتكم الإستقامةُ مع الحق ، فبذلك صَعَدَ السلفُ ، وسُعِدوا ، وإياكم ، وما الناسُ عليه اليوم" انتهى كلامُه رحمه الله .

:

ومما ينبغي التنبيه عليه لخطورته أن بعض الناس قد يترك العمل الصالح ، بدعوى الخوف من الوقوع في الرياء ، وهذه مكيدة شيطانية خطيرة ، والواجب على المسلم عدم الالتفات لمثل هذا ، والاستمرار في العمل ، مع عدم الغفلة عن محاسبة النفس ، وديمومة مراقبة الله تعالى " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك ". أ.هـ.

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
4 + 4 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات