المقال
حين يكون الموت .. طريقا إلى الحياة
959 زائر
02-03-2017
هند المشرف

حين يكون الموت .. طريقاً إلى الحياة

صادفت الموت من حولي كثيرا.. غير أنه كان في كل مرة يأتيني من بعيد .. كنت أبكي وأتأثر لأحبابي ثم أعود للحياة مرة أخرى ..

وحين توفيت جدتي رحمها الله استوقفني موتها كثيرا كان وجع فقدها عميقا في قلبي وجرحا غائرا.. افتقدتها ومزق قلبي فراقها .. لكن موتها بالنسبة لعقلي كان متصورا فقد كانت رحمها الله مريضة تعاني آلاما وكانت في العمر الذي يدعو المرء فيه غالبا بحسن الخاتمة ..

أما ( آلاء ) فقد توقفت قافلة الموت على عتبة بابك ..

كان الأمر مختلفا جدا حيث واجهت اثنتين من الحقائق الكبرى .. حقيقة الموت, وحقيقة الفقد

فراقها حملني على شرفة البصيرة فأطلعني على الحياة ..

رأيتها كما لو كنت أراها من السماء بدون زيف أو غشاوة .. عرفت معنى أن يذهب العمر النضر في لحظة ..

وأن الإنسان لن يجد خيرا من سريرة صالحة يلقى بها مولاه .. عرفت أن كثيرا مما كنت أعتذر لنفسي به كان زيفا ..

وأنني ليس لي من العدة ما أحسب أنه يصلح للقاء الله عز وجل .. موتك فتح أمامي سجلات صداقتنا التي امتدت عمرا يزيد على السبعة عشر عاما ..

لا أذكر فيها يوما أنك ضايقت أحدا بقصد، أو انتصرت لنفسك في موقف .. أو تحدثت بسوء عن أحد .. كان قلبك أوسع وأنقى من أن يحمل الضغينة ..

كان صفحة من طهر مفتوحة تستقبل كل من يقترب منها بحب .. موتك علمني معنى أن يكون الخلق الحسن حلّة يكتسي بها الإنسان دائما .. حتى تصبح صبغة له وجزءا من روحه ..

الجميع كان يبكيك ويتحدث بأسى عن ابتسامتك وجمال خلقك .. كنت تحملين نفسك على الإحسان للآخرين وبخاصة أقرب الناس لك لكنك لم تثقلي على أحد يوما .. كانت التضحية منهجك .. فكل رغباتك الشخصية _ ومن بينها لقاء الصديقات_ كنت تعلقينها على تيسرها وبدون أدنى كلفة على المحيطين بك .. ومع أن الشوق كان يحملني على لومك لأن الشهور مضت بل والسنين _ بعد ارتباطات الزواج ومسؤولياته _ ولم ألتق بك إلا مرات معدودة إلا أنني وبعد أن رحلت عنا أدركت مقصدك ..

هل أتحدث عن رضاك .. !

كان في قلبك جنة من الرضا .. لم أستمع يوما لتذمرك من أمر أو شكواك .. كنت تنظرين لمساحة الجمال في الحياة وتبتهجين بها .. وأحيانا تتحدثين معي عن بعض ما يؤلمك بقلب ثابت راض .. على سبيل الإخبار للصديق لا الشكوى .. رضاك كان ظاهرا في تعاملك مع الأقدار كيفما تقلبت ..

وفي تعاملك مع الناس إذ لم تطلبي منهم يوما مزيدا من أي شيء من شعور أو تقدير أو عطاء .. كان قلبك راضيا سعيدا يظهر الفرحة والشكر لكل ما يأتيه ..

صديقتي .. رحيلك غربل روحي، أحدث فيها زوبعة الحقيقة !

بدأت أفهم من معاني القرآن مالم أكن أتوصل لإدراكه بهذا العمق .. وبت أرهف شعورا بآلام الناس ..

عرفت معنى أن يشيع الله الثناء على العبد حتى ينطق به كل من يعرفه ومن لا يعرفه .. عرفت معنى أن يلقى العبد مولاه سليما من أذى المسلمين خفيف الظهر من أعراضهم .. محسنا بخلقه وسيرته، مرضيا عند من يعرفه ..

اللهم اجعل صديقتي من خيار الناس عندك فقد كانت_ فيما أعلم _ من أحاسنهم أخلاقا .. اللهم أعنا على أنفسنا وارزقنا صدقاً ينير درب حياتنا ومماتنا ..

   طباعة 
5 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
5 + 1 =
أدخل الناتج
                                       روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
                                       جديد المقالات
مدرسة جدي رحمه الله - مرفا رسائل الراحلين
بخٍ بخٍ .. ربحت تجارتكِ يا أبرار - مرفا رسائل الراحلين
عندما ماتت جدَّتي - مرفا رسائل الراحلين