المقال
قراءة في كتاب " معنى الحياة " لتيري إيجلتون
6233 زائر
31-03-2014
د. مها الجريس

قراءة في كتاب معنى الحياة لتيري إيجلتون[1] .

في حضارة الانفصال الروحي، يعيش الإنسان المعاصر أزمةً روحيةً وحضارية حيث ضيَّقت فيها الحياة الآلية الحديثة من معاني الوجود الروحي، وأعلت الماديات.

كما أن الأوضاع العالمية وتسلط الكفر وطغيانه أورث استسلاماً فكرياً وانهزاماً ثقافياً لدى بعض الشباب تمثل في التشكيك برؤية الإسلام للكون والحياة والإنسان ، وعلاقة ذلك كله بمعنى الحياة وغاياتها وأهدافها ، وليس من البيان بالحجة أن نظل ننادي بمجرد صلاحية هذا الدين، دون أن نكشف زيف ما لدى الآخرين، فالمسلمون اليوم عليهم أن يخرجوا من الصدمة الحضارية إلى النقد الحضاري باقتدار. ويأتي هذا الكتاب كمدخل لفهم فلسفة ما بعد الحداثة حيث يقدم عرضاً لأحد أهم الأسئلة الوجودية الكبرى مع تحليل فلسفي لأشهر المقولات في هذا الجانب. وقد يتساءل البعض عن جدوى قراءة مثل هذه الطروحات في مجتمع مسلم متدين يجد الجواب الفطري والبدهي في نور الوحي العظيم ، الذي يتضمن جواب هذا السؤال الكبير( معنى الحياة) في أصول الاعتقاد الصحيح وفهم المعاني العقدية للخلق والتدبير والحكمة والقدر والتعليل ولا تنفك تلك العقيدة الراسخة عن فهم القوانين الإلهية للكون والسنن الربانية في الحياة وأمانة ومسئولية الاستخلاف وغيرها من المعاني الشرعية التي ترسم للمسلم معنى الحياة وغايتها وسبيل النجاة. غير أن الانفتاح الفكري المعاصر، وتسلل بعض الرؤى الفلسفية العدمية حول معنى الحياة لكثير من عقول الشباب عبر القصة والرواية والأدب والمسرح والفنون بكافة أشكالها، يستدعي وقفة تأمل ونقد، ويستدعي قبل ذلك قراءة فهم وتفكيك لتلك الرؤى التي تلخص معنى الحياة في معانٍ عبثية أو غاياتٍ مادية، أو استعراض القوة التي هي أقرب لمفهوم القهر والتسلط..!


عرض الكتاب :

يمثل هذا الكتاب رؤية فلسفية مختصرة حول معنى الحياة لدى كاتب ينتمي لتيار ما بعد الحداثة، ذلك التيار الذي يلخص فلسفته في (لا ثابت ولا مقدس) ولا عجب أن جاء الكتاب مملوءاً بألفاظ تهكمية ساخرة من كل الأديان، بل ومن عقيدة الإيمان بخالق سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ..

تساءل الكاتب في بداية الكتاب عن صحة هذا السؤال : (ما معنى الحياة؟) مؤكداً أن هذا السؤال في الغالب لا يحمل معناه ! بل يتجه نحو سؤال آخر وهو :

(ما الهدف من الحياة ؟) والسبب أنه لا يمكن السؤال عن معنى المعنى؟! فكأنك تقول على سبيل المثال : ما معنى البياض؟ وليس له معنى سوى البياض ذاته ! ثم حاول المؤلف أن يقدم قراءة تفكيكية للسؤال فطرح عدة معانٍ متضمنة منها :

· أن المعنى هو الغموض ذاته !

· وأن عدم معرفة المعنى جزء من المعنى .

· وأخيراً أن البحث عن المعنى هو المعنى ذاته !

مؤكداً أن هذا السؤال الوجودي الكبير لا يشكل قلقاً لدى اللاهوتيين على اختلافهم !

بينما يشكل محور فلسفة ما بعد الحداثة وعلى الأخص كل من نيتشة وسارتر وشوبنهاور , وهيدجر ونحوهم .

والحقيقة أن الكتاب يعرّي بؤس وتهكم وعبثية فلسفة ما بعد الحداثة حول اليقينيات الكبرى وقد أورد المؤلف العديد من الأقوال لفلاسفة ذلك التيار أمثال نيتشة الذي قال في كتابه "مولد المأساة":" إن معنى الحياة رهيب بشكل نعجز عن التعايش معه، وأنه ليفسر حاجتنا لأوهامنا الموسمية إذا أردنا أن نواصل المسيرة؛ بل الحياة ذاتها وهمٌ ضروري حتى لا نتجمد! "

ومؤيداً رؤية الفيلسوف هايدجر حول هذه القضية؛ والتي ترى أن القلق الوجودي هو شأن الإنسان والبشر فقط، محاولاً وراء هذا التحليل اتهام اللغة في إشغال الإنسان حول هذا المعنى بأوعيتها الزائفة كما يقول !

ومع ذلك العرض الخاص بفلاسفة ما بعد الحداثة قدّم المؤلف استعراضاً لمعنى الحياة عند كل من اللاهوتيين المسيحيين واليهود ، بينما لم يشر إلى أي فلسفة لدى المسلمين تتصل بهذا المعنى، رغم أنه ذكر المسلمين والإسلام في معرض الحديث عن بعض الأفكار !!

وعندما ساق المؤلف التفسير المسيحي لمعنى الحياة وضّح أنه يتجه نحو سؤال لماذا وجدت الحياة ؟ مؤكداً أنها عندهم وجدت من منطلق الحب ، وليس الحاجة ، ومستعيراً فلسفة المسيحية في علاقة البشر بالخالق سبحانه، ملخصاً إياها في الأبوة والبنوة تعالى الله عما يقولون- ويسوق مثالاً على ذلك بأن الأب يسعى لإيجاد أبناء في هذه الدنيا ولن يندم على ذلك مستقبلاً حتى ولو لم يقدموا له أية شيء !!

أما معنى الحياة عند اليهود فيقول إن السؤال عندهم يتجه نحو الواجب والهدف وليس عن العلاقة كما هي عند المسيحيين ، فإيمانهم بـإلههم المطلق"يهوه" لا يجعلهم يتساءلون عن السبب بل عن الواجب !

وبعد أن استعرض الكاتب مسيرة هذا السؤال الفلسفي ذكر أن هذا السؤال ذاته لم يكن يشكل قلقاً في فلسفات ما قبل الحداثة ؛ فالدين والأساطير كانت توجّه الناس وتجيبهم بهذا الخصوص! بينما دفعت تيارات ما بعد الحداثة بالعلمانية إلى الأمام خطوة فأعلنت أن ما كان يسمى عقلاً ، ومعنى ، ومغزى ، وتاريخ ، ومطلق ، وإنسان ، إنما هي مجرد أسماء جديدة للإله، والميتافيزيقيا، واللاهوت! وأن الحل لهذا اللغز يكمن في الانفصال الكلي عن المعنى العميق في كل شيء !

كما يشير المؤلف إلى أن الأسئلة الوجودية في رأي كل من هايدجر وسارتر، ليست إفراز قلقٍ معرفيٍ في الغالب، أو حاجةٍ عقليةٍ أو روحية ؛ بل غالباً ما يكون بروزها بسبب إقحام معنى الحياة في أدوات ومعتقدات أو أعراف يُسلّم بها ، وكأنهما يشيران إلى أن القلق الوجودي يثور كردة فعل نحو ظرفٍ ما !

ثم حاول المؤلف عرض أسباب بروز هذا " السؤال القلق " في فلسفة ما بعد الحداثة مؤكداً أنه جزء من ثقافة التشكيك ، وهدم اليقينيات ، وتحدي كل ما هو تقليدي ، وهو أسلوب هذا التيار المتمرد في التفكير، ويلخصها في التالي :

· أنه أكثر العصور دموية على الإطلاق، فملايين الأرواح أزهقت فيه بلا مبرر !

· أن قيمة الحياة انحدرت في هذا العصر بشكل كبير وعنيف !

· أن تفكيك اليقينيات والاتجاه نحو التشظي والتعددية لم يكن فقط مظهراً في الحياة بل طال المقدسات ذاتها فالدين والسلطة والعقل التي كانت تشكل الإجابات المحورية لمعنى الحياة قد تشظت هي ذاتها ؛ فاتجه التدين بعد سطوته التامة ثم تنحيته عن السلطة إلى كونه شأناً خاصاً لا يعني غير صاحبه، وروحانيته أصبحت جامدة وفردية لا علاقة لها بالمجموع ، وكذا السلطة والعقل واللذة - والتي كانت محور الفلسفات الحداثية - دخلها التشظي والانقسام بعد دخول مفهوم النسبية في فلسفة ما بعد الحداثة .

ولم يخف المؤلف قلقه من أن الجواب عن سؤال ما معنى الحياة تحوّل اليوم إلى صناعة مربحة ؛ فأصبح معنى الحياة يُطلب عند مرشدين دينيين، وموجهين روحانيين ، ومتخصصين في التدريب، ومعالجين نفسيين! ثم حاول صياغة جواب لهذا السؤال من منظورين : فردي ، وجماعي ؛ فمعنى الحياة بالنسبة لي، ليس هو معنى حياة المجموع، ولا معنى الحياة في ذاته، كمعنى تجريدي يؤكد عليه المؤمنون على وجه الخصوص. بعد أن ذكر أن كلا شطري السؤال مربك؛ فكلاً من كلمتي ( الحياة) و (المعنى) لفظان يصعب تحديدهما بدقة وعمومية شديدة !

وقد اهتمّ المؤلف بشكل خاص بالتفسير الذي يميل إلى تحديد معنى الحياة بأهدافها، وقال إن عبارة كثير من الشباب بقولهم : حياتي بلا معنى ، هي عبارة وجودية ، وليست منطقية ؛ فهو لا يعني أنه لا يفهم الحياة؛ بل لا يملك ما يعيش لأجله! كما أن الشخص الذي تبدو حياته بلا معنى سيكون أقرب إلى حبوب الانتحار منه إلى قاموس المعجم !!

ثم يستدل الكاتب على رأيه الخاص بأن معنى الحياة هو أهدافها باللغة الاستعمالية وتفكيك اللغة فيقول : إن المعنى هو النية والغاية والقصد فأنت تقول للمتكلم : ماذا تعني؟

أي ما ذا تريد؟ وتشير إلى المطلوب بقولك: هل هذا ما تعنيه؟ دون أن تفكر بمعنى مستقل لكلمة : ( المعنى) .

وبعد أن يقرر أن اللاهوتيين يثبتون معنىً كلياً للحياة خارجاً عنها، بغض النظر عن معناها لكل فرد، يعود لنقدهم مبيناً أن الدين في نظره لا يحل اللغز تماماً ، ثم يعود للدفاع عن القائلين بالصدفة ليقول إن القول بالصدفة لا يعني الخلو من التنظيم وإن كلمة مصادفة لا تعني مبهم! ويطرح مفهوماً آخر للمعنى الكلي أو الجمعي للحياة بأنه هو الذي يتحقق في صورة جماعية دون أن يكون للفرد فيه ما يعنيه على نحو خاص! كما قد يكون شيئاً لا إرادياً شأنه شأن التنفس! وقد ساق المؤلف بإسهاب فلسفة شوبنهاور التشاؤمية مؤكداً أنه أكثر فلاسفة ما بعد الحداثة سخرية وصراحة وقسوة وكآبة نحو هذا السؤال! ومؤكداً أن مصطلح "خسوف المعنى" هو من تجليات ما بعد الحداثة بعد أن كان ذلك يمكن أن يعد في زمن الحداثة من الفضائح !

كما رفض الكاتب أن يكون معنى الحياة هو الواقع، كما رأى الماركسيون ذلك فصارت الماركسية واقعاً ثم انتهى، مؤكداً أن الذي يجب رفضه في المعنى هو المعنى الثابت !

حيث يستعرض الكاتب صراع النسبي والثابت ويشير إلى أن المعنى كغيره من الفلسفات التي خضعت لهذا الصراع .

وأخيراً يختم المؤلف كتابه حول كلمة (الحياة) مختاراً أعلى تعريفين للحياة لدى الفلاسفة وأنها تعني : السعادة أو الحب مختاراً الأول لاشتماله على الثاني .

ثم يسرد المؤلف للسعادة معانٍ مختلفة دارت على ألسنة الفلاسفة منها: اللذة والمعاناة، والثروة، والروحانيات، والتأمل عند شتراوس وأخيراً القوة عند نيتشة والمحافظين الجدد !


[1] يشغل تيري إيجلتون منصب كرسي أستاذية «جون إدوارد تايلور» في اللغة الإنجليزية بجامعة مانشستر، وزميل الأكاديمية البريطانية. وتتضمن أحدث مؤلفاته: «الرعب المقدس»، و"ما بعد النظرية" و«فكرة الثقافة»، و«أوهام ما بعد الحداثة».

   طباعة 
3 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
7 + 8 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
تلخيص كتاب بنية الثورات العلمية - مرفـأ الآفاق العلمية