المقال
المرأة بين التميز الشرعي والتمكين الدولي
1396 زائر
14-01-2014
د. أميرة الصاعدي

المرأة بين التميُّز الشرعي والتمكين الدولي


المرأة في الإسلام لها حق واجب لا ينكر ، ومكانة سامية لاتجهل ، ذات رأي مستقل وأهلية مستحقة ، ولها دور عظيم يذكر ويشكر .

وأول امرأة في الإسلام استحقت الذكر والإشادة ، والثناء وحسن الجزاء،أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها،حين بادرت بالتصديق،وسبقت بالإسلام ، وساهمت في الدعم والبناء،ولا يخفى وقوفها مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أول أمره ، وشدها من أزره ، ولكني أعجب من تبوأها لمكانة عظيمة ودرجة في الجنة عالية ، وهي لم تخرج لجهاد ، لم تخالط الرجال لتشارك في تنمية المجتمع ،ولم تتول مناصب رئاسية ووزارية ، بل أدت رسالتها وقامت بمهمتها وهي في بيتها ،كلما خرج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته وواجه ارهاصات نبوته وبشائر مبعثه،ورجع إليها وجدها تستقبله بحب وتدعمه بقوة وتثبته بيقين .

فاستحقت بهذا الدور العظيم ، أن يرسل إليها السلام ربها ، ويبشرها ببيت في الجنة ،كما جاء في الحديث:أتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ( يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ،فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عزوجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب )


وإني لتخنقني العبرة وتهتز مشاعري حين أقرأ هذا الحديث ، وكلما مررت بهذا التكريم ، واستشعرت هذه المكانة لهذا المرأة العظيمة،وهي امرأة تمشي على الأرض وذكرها في السماء ، فأي تميُّز ورفعة ومنصب أعلى من هذا الذكر،وأي فخر وعزة أكرم من هذا السلام .

فهذه المرأة التي ملكت مالاً كثيراً ، وحققت سمعة حسنة ، ذات النسب العريق ، وربة الأسرة الطاهرة ، وزوج النبي الكريم وأم أولاد خير البشر ،لم تضطر يوماً للخروج ومزاحمة الرجال لتجارة ورئاسة وسيادة وتمكين ، بل استأجرت رجالاً يتاجرون بمالها،واستأمنت القوي الأمين ، بينما نعمت هي بالسكون والقرار ، فاصطفاها الله لشرف بيت النبوة ، وبشرها ببيت في الجنة لا وصب فيه ولا نصب ، قال السهيلي : ( مناسبة نفي هاتين الصفتين،أعني المنازعة والتعب أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعاً،فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك ، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة،وهونت عليه كل عسير،فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها )

وفي الإسلام نساء كثر من وراء خديجة وعلى خطاها ، ساهمن في تعليم الأمة وعلون في سماء التاريخ،سطرت سيرهن بمداد من العفة والفضيلة .

وما عرف في تاريخ الأمة الإسلامية في عزها وقوتها،من تصدرت لمجالس الرجال ، وتطاولت لمجامع الأمراء والرؤساء والوزراء ، ولكنها كانت تدير دفة الحياة من وراء حجاب ، امتثالاً لقوله تعالى ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ، فساعدت المرأة زوجها وعلمت ابنها ونصحت أخيها وساندت والدها،فأخرجت للأمة فقهاء وعلماء وساسة وملوك،فكان لها بصمة وأثر .

ما عرف الرجال صورتها ولا تتطلعوا للجلوس معها ولا طالبوا بخروجها ومخالطتها،بل عرفوا قدرها وقيمتها،وحافظوا على سترها وعفافها،فقد كان للرجال مجامعهم ومحافلهم،وللنساء دورهم وخدورهم ، ولا أدل على ذلك من حديث أم عطية ( أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ ) . فخرجت المخدرات والعواتق يسمعن الخير ، قال ابن عباس في صلاة العيد : " ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ " قال ابن حجر:" يُشْعِرُ بِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ عَلَى حِدَةٍ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرَ مُخْتَلِطَاتٍ بِهِمْ "

فالإسلام الذي كرم المرأة وأعطاها حقوقاً مسلوبة،وحررها من رق العبودية،وحمى عرضها وصان شرفها،فأوجب عليها الحجاب حماية لها من الأذى ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )

وباعد بينها وبين الرجال في أماكن العبادة فقال ( خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) وجعل الجنة تحت أقدامها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الزم رجليها فثم الجنة ).

فالإسلام الذي ميزها وكرمها وأعزها وبشرها بالجنة،لا يتصور أن يرضى بإهانتها وانتهاك حقوقها ، ولا أن يوردها موارد المهالك ومزالق الفساد.

والمتأمل للمواثيق والاتفاقات الدولية يلحظ فيها هدماً للقيم والأخلاق ومصادمة للفطرة وتدميراً للأسرة وفساداً للنشأ .

ابتداءً من منحها حق اختيار السكن والسفر حيث شاءت بلا إذن ولي ولا اشتراط محرم ، والزواج بمن شاءت دون اعتبار لدين أو خلق،ومروراً بمنع زواج من هن دون سن ال 18 سنة ممن بلغن وكلفن ، وفي المقابل إباحة العلاقات المحرمة بين الجنسين،والعلاقات المثلية ، بل ويدربن عليها وتكفل لهن حقوق بدعوى " الصحة الإنجابية " ، مما هو مصادم للفطرة السليمة والشريعة الربانية،وانتهاء برفع الولاية عنها ، ونزع القوامة،وإلغاء المحرم ، مما فيه مخالفة صريحة للنصوص الصحيحة،ومعارضة صريحة لحكم الله وشرعه ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) .

والمتأمل في حال المرأة اليوم يجدها تدور بين شرع يميزها ويحفظها ويصونها،وبين تمكين دولي يحررها ويفسدها ويظلمها .

والعاقلة من تدرك عواقب الأمور،وتعتبر من مصارع القوم ، فالمرأة في الغرب سارت خلف موجة الحقوق وطوفان المساواة،فلا حقاً أخذت ولا فطرة أبقت .

د. أميرة بنت علي الصاعدي

أستاذ مساعد بجامعة أم القرى والمشرفة العامة على مركز إسعاد النسائي

   طباعة 
1 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
5 + 9 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
تلخيص كتاب بنية الثورات العلمية - مرفـأ الآفاق العلمية