الحوار
رسولنا صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه مهارة الاستنتاج في حديث الغلام الأسود
1764 زائر
23-04-2017
أ. خالد الخضيري

رسولنا صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه مهارة الاستنتاج في حديث الغلام الأسود


مهارة الاستنتاج ( القياس ) أحد أهم مهارات التفكيرالعقلية النقدية لا تقبل الأمور كما تروى لها .. !!


التفكير الناقد أو ما يسمى بالتفكير النقدي هو تفكير العقلاء وذوي الألباب، هو تفكير يقوم على الحلم والأناة والمراجعة، تفكير لا ينساق وراء الشائعات ولا الأطماع والأهواء والتمنيات، إنه تفكير يقوّم السلوك، وكذلك يبحث عن الحكمة التي هي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، هذه بعض مقتطفات حوارنا مع الدكتور خالد بن منصور الدريس أستاذ الحديث وعلومه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية والمشرف على كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري، والذي نستجلي معه عدداً من النقاط والمحاور في التفكير النقدي من خلال رؤيته لهذا الموضوع في الكتاب والسنة..


- بداية ما هو التفكير النقدي من وجهة نظركم وما الغاية التي يصبو لتحقيقها ؟

التفكير النقدي في حقيقته تفكير متعقل يعتمد على التحري والتثبت والفحص الدقيق، ويأخذ بجميع الاحتمالات، ويراعي وجهات نظر الآخرين وتفسيراتهم، ولا يخضع للانفعالات كالغضب والطمع والشهوة والتعصب .

والغاية التي يصبو لتحقيقها هي محاربة التفكير المتسرع وغير المدروس الذي ثبت أنه يشكل خطراً على الشخص نفسه أو على محيطه، فماهية التفكير الناقد هي اتخاذ القرار الجيد المدروس بعناية بعد التحري والتروي والتأني، فالعقلية النقدية لا تقبل الأمور والحوادث كما تروى لها ولا تسرع إلى تصديقها، بل تعرضها على ميزان النظر السليم لتتحقق من مدى صحتها أو خطئها .


- إذن من خلال رؤيتكم ما هي أهم مهارات التفكير الناقد؟

أهم مهاراته القدرة على تحديد المشكلات أو تعيين المسائل المركزية، وتمييز أوجه الشبه وأوجه الاختلاف، وهذا يسهم في تحديد الخصائص المميزة ووضع المعلومات في تصنيفات للأغراض المختلفة، ومن مهاراته أيضا تحديد المعلومات المتعلقة بالموضوع، وتمييز المعلومات الأساسية عن المعلومات الهامشية الأقل ارتباطاً، وطرح الأسئلة التي تسهم في الفهم المعمق، إضافة للقدرة على تحديد الحقائق الناقصة أو الأفكار التي لم تظهر بصراحة في الموضوع محل النظر، والقدرة على تحديد موثوقية المصادر .


- هناك سؤال في غاية الأهمية وهو عن مكانة التفكير النقدي في الكتاب والسنة؟

إذا أردنا أن نعرف منزلة التفكير الناقد فعلينا أن نعرف منزلة الحلم والأناة في نصوص الشرع المطهر، فالحلم صفة من صفات الله تعالى، والحليم اسم من أسمائه الحسنى، وقد وصف الله بالحلم بعض رسله في سياق المدح والثناء كما قال في إبراهيم عليه السلام «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ». وكان من وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام لمن طلب النصح منه أن قال له: «لا تغضب». والتفكير الناقد هو نقيض التفكير الغاضب. وفي شأن التثبت والتحري يقول سبحانه وتعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين». ويقول الخالق عز وجل «قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». فيلفت نظرنا سبحانه وتعالى إلى ضرورة طلب الدليل والبرهان قبل الحكم والتصديق والعمل، ويأمرنا تقدست أسماؤه بأن نبحث ونتحقق ونفحص قبل أن نحكم على الأشياء. قال تبارك شأنه « وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ».


والدارس للسنة النبوية يلحظ مدى عناية المصطفى صلى الله عليه وسلم بتعليم الصحابة لمهارات التفكير الجوهرية كمهارة المقارنة، كما في حديث سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مرَّ رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حَرِيٌّ إنْ خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مرَّ رجل آخر فقال له رسول الله: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، حَرِيٌّ إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خيرٌ من مِلْءِ الأرض مثل هذا».


كما علم صلى الله عليه وسلم أصحابه مهارة الاستنتاج كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، وُلد لي غلام أسود. فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حُمر. قال: هل فيها من أَوْرَق؟ قال: نعم. قال: فأنَّى ذلك؟ قال: لعله نزعه عِرق؟ قال: فلعلَّ ابْنَكَ هذا نزعه». فحل عليه الصلاة والسلام مشكلة ذلك الرجل من خلال مهارة الاستنتاج التي نسميها في أصول الفقه بالقياس، وهي أحد أهم مهارات التفكير، إلى غير ذلك من نصوص كثيرة.


- ذكرتم أن من أهم مهارات التفكير الناقد في المرجعية الإسلامية التمييز بين الحقائق الصلبة والحقائق اللينة، ما المقصود بذلك؟

عندنا في العلوم الشرعية قضية التمييز بين القطعيات والظنيات، والقطعي منه قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، والظني منه ظني الدلالة وظني الثبوت، فالأمور القطعية ليست كالأمور الظنية من حيث القوة والرسوخ، أيضاً عندنا أمور مطلقة وأمور نسبية، وعندنا محكمات ومتشابهات، لذلك لا بد من التدرب على وزن القضايا ليحصل التفريق بين الحقائق الصلبة والحقائق اللينة، وبين القضايا المطلقة والقضايا النسبية، أو الثوابت و المتغيرات، الحقائق الصلبة هي القطعيات، هي المحكمات، هي الثوابت، هي المطلقات، أما الحقائق اللينة فيدخل فيها الظنيات والمتغيرات والمتشابهات التي تحتمل أكثر من رأي، ومما يمكن أن يدخل في ذلك التفريق بين الحقيقة الموضوعية والرأي الذاتي، والغفلة عن هذه المهارة ستؤدي إلى نتائج كارثية على التفكير.


- كيف نعنى بالحجج المضادة وآراء المخالفين؟

الحجج المُضادة هي الحجج التي لا تؤيد ما أميل إليه بحكم النشأة والبيئة والمؤثرات الذاتية والاجتماعية، والاعتناء بها مهم جداً، وكنت دائماً أقول لطلابي في الجامعة خصوصاً في الدراسات العليا، لمّا تأتي وتعرف الحديث الصحيح تقول: «ما اتصل سنده برواية العدل التام الضبط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ، ولا علة» وعبارة من غير شذوذ ولا علة، هي عبارة عن شرطين، لكن الشرطين يعتبران من الشروط «العدمية» بمعنى إذا وجدت الإسناد متصلاً والراوي عدلاً متقناً لحديثه، فهذه شروط ثبوتية ووجودية، لكن لا تنس أن لديك أموراً ثانية مهمة، وهي: ماذا عن أمور أخرى مُضادة قد تقدح في ثبوت الحديث مثل أن يكون الحديث شاذاً أو أن يكون معلاً بالاختلاف، كذلك لما تكلموا في قضيه القياس قالوا: صحيح، أنت عندك القياس، وقياسك ظاهرياً صحيح، لكن انظر في قضية العلة، إن العلة لها قوادح، وبعضهم يذكر أن لها خمسة عشر قادحاً.


- هل اعتنى علماء الإسلام بالمغالطات المنطقية والأخطاء الشائعة في الاستدلال والتفكير والمناقشة؟

اهتم عدد من العلماء بهذا الأمر، وهذه المغالطات تعد كثيرة يمكن أن نوصلها إلى أكثر من «40» مغالطة، تسمى مغالطات الأخطاء الشائعة في الاستدلال والتفكير وغيرها، وكثير منها موجود لدينا في كتابات متعلقة بالجدل الفقهي، ككتاب الكافية في الجدل للجويني، وفي كتاب المعونة في الجدل للشيرازي، وفي كتاب الجدل لابن عقيل الحنبلي وغيرها وكذا في كتب آداب البحث والمناظرة، ومن المعاصرين من أشار إليها مثل شيخنا معالي الدكتور يعقوب الباحسين في كتابه «طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأصوليين».


- سبق أن قدمتم برنامجاً إذاعياً حول قضايا التفكير الناقد، كيف كان أثره على المستمعين من خلال ما يصلكم؟

كان الأثر جيداً بحمد الله، وقد استمر التواصل مع البرنامج على مدى ثمانين حلقة في سنتين «1427-1428هـ» في إذاعة القرآن الكريم، وقد كان قرار الموافقة على البرنامج من قبل إدارة الإذاعة جريئًا لأنه ليس على شاكلة البرامج المعتادة فهو يحمل عنوانا غير تقليدي لهم «تعليم التفكير من منظور إسلامي» ويتضمن أسئلة للجمهور نهاية كل حلقة، إلا أن البرنامج لم تكتمل حلقاته لأني أوقفته بعد انشغالي بالإشراف على كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري.


- ختاماً ما هي آمالكم وطموحاتكم فيما يتعلق بالتفكير النقدي في الجامعة؟

أتمنى أن تُنشأ في الجامعة نواد للمحاجة والمناقشة كي يتدرب الطلاب والطالبات على أسس التفكير الناقد من خلال إثارة القضايا الفكرية والاجتماعية التي تشغلهم، وتتم مناظرات علنية منظمة في ذلك ولكن بعد تدريب مكثف وإعداد دقيق لكل فريق، ويسبق ذلك تخطيط معرفي لرفع جاهزية أدوات النقاش وآلياته وطرق بناء الحُجج ووسائل دحضها مع الإلمام بأساليب الإقناع والتأثير، وكنتُ قد تقدمت بمشروع مكتوب لمعالي مدير الجامعة السابق حول هذه الفكرة أسوة بما هو موجود في كبريات الجامعات العالمية، وكان المؤمل أن ينفذ ضمن مخرجات الاستراتيجية الوطنية للأمن الفكري خاصة في محورها التعليمي المتصل بالجامعات، ولا يزال الأمل قائماً في نفسي والحلم حيا في كياني بأنه سيأتي اليوم الذي سنشرع فيه بتدريب طلابنا على مهارات المناقشة الذكية عبر هذه النوادي الحيوية.

المصدر .. رسالة الجامعة


   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 1 تعليق
« إضافة تعليق »

27-06-2014

(غير مسجل)

benhait

المؤتمر العلمي العربي السابع بكلية التربيـة - جامعة بنها

تعلن كلية التربية - جامعة بنها عن إقامتها للمؤتمر العلمي العربي السابع عن رؤى استشرافية لمستقبل خدمة المجتمع وتنمية البيئة العربية في ضوء التوجهات والتغيرات المجتمعية المعاصرة، وذلك في الفترة من 2015/02/25 وحتى 2015/02/26 بقاعة المؤتمرات الكبرى بجامعة بنها.
المزيد من المعلومات عن المؤتمر
http://www.bu.edu.eg/BUNews/17189

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
6 + 5 =
أدخل الناتج