مدرسة جدي رحمه الله => مرفا رسائل الراحلين ۞ دلائل اليقين => مـقــــــــــالات ۞ أهمية الاحتساب على منكرات مواقع التواصل الاجتماعي => مرفـأ مدارج سلوكية ۞ د. الدريس يشارك في ندوة التطرف الفكري والإرهاب => مـتـــابـعـــات ۞ د. الدريس يحل ضيفا على مركز تمتين للاستشارات العلمية والتربوية => مـتـــابـعـــات ۞ حين يكون الموت .. طريقا إلى الحياة => مرفا رسائل الراحلين ۞ د. الدريس يقدم دورة أخطاء في التفكير => مـتـــابـعـــات ۞ تهافت => تهافت الفـكر الإلحادي ۞ كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات؟ => مــؤلـفـــــــات ۞

                                       المقال
بخٍ بخٍ .. ربحت تجارتكِ يا أبرار
9989 زائر
13-04-2017
أبرار بنت فهد القاسم

بخ بخ .. ربحت تجارتكِ يا أبرار

اعتدت قراءة أذكار الصباح في فناء المنزل ، لأجمع بين رؤية انبلاج الظلام بابتسامة الشمس المتفائلة لحظة إشراقها ، وبين استنشاق الهواء النقي قبل أن تبث السيارات سمومها في الأجواء ، وقبل أن تطلق المصانع زفراتها في الجو لتلوثه ..

في تلك الأجواء الهادئة ، وبدون أي مقدمات فتح المركز العاطفي في ذاكرتي أبوابه دون استئذان ، ليرسم لي ذاك الوجه الصبوح بابتسامته المشرقة .. إنها أبرار السويلم صاحبتي الراحلة – رحمها الله – ما الذي جاء بها في هذا الوقت ؟!

اعتدت رؤيتها كلما رفعت أكفي بالدعاء ..

لكن أن تزورني في لحظة هدوء وصفاء .. أمر غريب جدا !

لعل صاحبتي بحاجة للدعاء ، أو لعلها أتت تذكرني بالاجتهاد والتزود ..

دعوت لها بما فتح الله علي ، وعدت لأذكاري ..

لكنها قطعتها علي كرة أخرى .. لتسافر بي في مطار صحبتنا ، وتقف معي في محطات رحلتنا زمن البكالوريوس تلك المرحلة اللذيذة بكل ما فيها ..

عادت بي إلى أول لقاء حين أمسكت شقيقتها الكبرى أنوار – حفظها الله – بيدها – رحمها الله -

هاهما يدلفان باب المصلى ، ويقلبان أبصارهما بحثا عن ...

إنهما يقتربان مني والابتسامة تكسو وجهيهما .. بادلتهما الابتسامة ..

أنوار : أبرار هذه سميتك أتمنى تصاحبيها أنا متأكدة ستعجبك .. شقيقتي أبرار بالرغم أنها أنهت فصلاً دراسياً لكنها لازالت تعيش أجواء الثانوية ولم تألف جو الكلية بعد .

هكذا قالت أنوار ثم ذهبت وتركتني مع أبرار لنبرم سويا عقد الإخاء ..

تبادلنا أطراف الحديث ، وجدت قواسم مشتركة بيننا .. إضافة إلى أنها أول فتاة ألتقيها تشاركني باسمي ..وظننت أن الرياض لايقطنها أبرار غيري ! حتى التقيت ببنت السويلم – رحمها الله - .

استأذنتني في الانضمام لركب حلقتي التي أُشرف عليها .. لكن جداولنا متباينة وأوقات فراغنا مختلفة ، فأشرت عليها أن تلتحق ببعض الحلقات التي ذاع صيتها وخبرتهم أعرق مني .. فأنا لازلت في البداية ، وإشرافي مخالف لعرف المصلى ، فلا تُشرف على حلقة إلا من كانت في ثالث أو رابع فقط .. لكني وليت عليها وأنا في أولى لا لا لشرفي ، ولا لأني أكثر أخذا للقرآن، وإنما بطلب من مشرفة حلقات المصلى أ. سارة البديع – شفاها الله وعافاها وجميع مرضى السرطان – ولعلو مقامها في قلبي لم أستطع رد طلبها.. خصوصا مع نقص عدد المشرفات في ذاك الوقت وانشغال طالبات ثالث ورابع بالتربية الميدانية .

التحقت سميتي – رحمها الله – بإحدى الحلقات وبعد مرور أيام عاودت الطلب في الانضمام لحلقتي .. لم أجد بدا من قبولها مع أن أجواء الحلقة ستفوتها لكن لا بأس أُسّمع لها بين المحاضرات أو نهاية الدوام .

لازالت ابتسامتها محفورة في مخيلتي ابتهاجاً لتلبيتي طلبها في متابعة حفظها ومراجعتها لكتاب الله .. بمثل ذلك يفرح أهل الخير والصلاح – رحمك الله يا أبرار - .

ظننت أن ذاكرتي ستحزم أمتعتها عند هذه المحطة من حياتي ، وتعود للاستمتاع بجو الشروق المبهر ..

لكنها أبت إلا أن تعيدني لدرس شيختي د. نوال العيد – سددها الله – شرح الواسطية في مصلى الكلية وقت الراحة ..

كانت سميتي – رحمها الله - تزاحم الرُكب في ذاك المجلس المبارك .. وكلما سألت شيختنا سؤالاً ، تسابقنا برفع الأيدي لتأذن لنا بالإجابة ، فإذا قالت : تفضلي يا أبرار ..اختلط صوتي بصوتها فلا ندري أينا المقصودة .. فتحتوينا شيختنا بابتسامتها اللطيفة ..

اتخذنا قراراً ألا نجلس بالقرب زمن الدرس .. فلما كان الدرس القادم ابتعدت أجسادنا إلا أن العيون ترمق بعضاً شوقاً وحنيناً ..ولم نطق البعاد حتى عدنا لمزاحمة الرُكب .

مر شريط صحبتي معها سريعاً ليقف في آخر محطة ، حين أخبرتني أنها لا تستطيع التسميع اليوم لأن محاضرتها تنتهي الساعة 12 والنصف .. وهو زمن خروجي المعتاد من الكلية ، لكن الله لطيف بعباده ، ولا يقدم أمراً ولا يؤخر غيره إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها .

اتصلت بي والدتي – سلمها الله ورزقني برها – وأخبرتني أنها لن تخرج من مدرستها إلا الساعة الواحدة ، إضافة إلى مسافة الطريق بيننا ، وقت كافٍ للتسميع .. ذهبت لأبشر سميتي أن الوقت معها ولن يفوتها تسميع اليوم .. لكني وجدت باب قاعتهم مغلقا ، فعلمت أن الدكتورة دخلت وشرعت في الدرس .. ولله حكمة في ذلك .

ذهبت لمحاضرتي .. وعندما خرجت ، يممت وجهي شطر قاعة سميتي ، لكن لازال باب القاعة مغلقاً .

انتظرتها عند أقرب كرسي لقاعتها لعلها تراني إذا خرجت ..

هاهو الباب يفتح .. الحمد لله انتهت محاضرتهم ..

وهاهي صاحبة البسمة المشرقة تخرج مسرعة كعادتها ..

أخذت ألوح لها بيدي لعلها تراني لكنها لم تنتبه ..

ناديتها فالتفت إليّ وهي تقول : ألم تخرجي ؟!

أخبرتها أن الوقت معها بإمكانها التسميع الآن ..

وإذ بزوجها يتصل ليخبرها أنه قريب من الكلية ..

قلت لها لابأس اقرئي وأنت تلبسي العباءة ..

قالت : ما رأيك أسمع بالهاتف .

أخبرتها أني مشغولة اليوم ولا أستطيع مهاتفتها ، وغدا إجازة الأسبوع .

استعانت بالله وانطلقت ترتل من سورة الفرقان بصوت عذب .

كان هذا آخر عهدها بالكلية ..

وهذا من لطف الله بها أنها لم تُسّمع وقت الراحة .. وإنما أخّرها .. ليكون آخر عهدها بالكلية ( كتاب الله ) ..

ذهبتُ للمنزل وانشغلت بأمري حتى وصلني اتصال من إحدى الأخوات تسألني إن كنت سأذهب للصلاة على أبرار ..

قلت لها : من أبرار ؟ وأي صلاة ؟

قالت : لعله لم يبلغك الخبر ؟!

قلت : وأي خبر ؟!

حينها اهتزت حروف الكلام في حنجرتي .. وضاعت الجمل في فمي ، ولم أجد ما أعبر به سوى الدموع ..

رحلت رحمها الله يوم الجمعة 23 - 10 - 1423هـ ، وزوجها ووالدتها ووالدها وإخوانها وأخواتها وقرابتها ، وصويحباتها ، وأستاذاتها راضون عنها تمام الرضا ، و ألسنتهم تلهج بالدعاء لها .

رحلت وسبب موتها ( حسن تبعلها لزوجها ) أشعلت شمعة فواحة ليبتهج برائحتها الزكية حين يدخل لمنزله ، لكن القدر سبقها فلم تدرك تلك البهجة ..

وقعت الشمعة على الأرائك المصنوعة من الخشب واشتعل البيت ..

وحين باءت كل محاولاتها بالفشل في إطفاء الحريق ، لم تفكر في تلك اللحظة إلا بسترها سارعت لعبائتها وتدثرت بها .. أملاً بالخروج .. لكن الالتماس الكهربائي الشديد الذي كان في الغرفة المقابلة للباب الخارجي .. حال بينها وبين ماتشتهي .

ذاك آخر عهدها بالدنيا .. ( الستر والحشمة )

تصرمت الأيام ، ومضت السنون ولا زال طيب ذكراها يعطر أرجاء فؤادي.. رغم قصر عمر صحبتنا - رحمها الله – .

كلما تذكرتها شعرت بوخزات تنغرس في أعماقي قلقا على خاتمتي ..

هل سيختم لي بخير كما ختم لسميتي ؟!

هل سأجد من يدعو لي ويترحم علي بعد موتي؟!

هل سأُذكر بخير بعد رحيلي ؟!

هل سيتسارع الأحباب ليقيموا لي أوقافاً وصدقات جارية يستمر أجرها إلى قيام الساعة ؟!

إيـــه يا أبرار .. ما الذي بينك وبين الله من السرائر .. وصدق النوايا ..

ما الذي جاء بذكراك في هذا الزمن تحديدا ..

زمن رَخُص فيه دم المسلم ، واُستهين بعرضه ..

زمن أهان فيه دعاة التغريب كرامة المرأة باسم الحرية والزج بها في كل محفل ، والسعي الحثيث لانتزاع حيائها وسترها .

زمن تساقطت فيه دول ، واشتعلت أخرى ..

زمن ضيعت فيه الأمانة .. وولي فيه الخائن الرئاسة ..

زمن انتشرت فيه الفتن التي سلمك الله منها ..

ما الذي جاء بك لتُشعلي حرفي وتُطلقي قلمي من صمته ..

لعلك اشتقت لأجر دعوة الناس وتذكريهم بالحفرة التي تسكنينها ، ولسان حالك : لمثل هذا فليعمل العاملون ، وليجد المجدون ، فإنما هي أنفاس معدودة .. وقريبا ستلحقون بي فتزودوا .. وبما أنكم أدركتم زمن الهرج ( كثرة القتل ) فعليكم بالعبادة .

بخ بخ .. ربحت تجارتكِ يا أبرار .. وخلد الله ذكركِ في الخير ، فلازلت تستكثرين من الحسنات حتى بعد موتك ..

طبت حيةً وميتةً ..

دعائي لك ياسميتي ينبوع الصبر الذي اشرب من كأسه كلما أظمأني الفراق بلوعته ..

رحمك الله ووسع قبرك وجمعنا بك وبحبيبنا صلى الله عليه وسلم ووالدينا وأحبابنا في أعالي الجنان .


كتبته :

أبرار بنت فهد القاسم

ذو القعدة 1434هـ

   طباعة 
7 صوت
                                       التعليقات : 4 تعليق
« إضافة تعليق »

27-09-2013

(غير مسجل)

هند

ماشاء الله تبارك الله
الله يرحمها ويغفر لها
نعم الآخوه والمحبه فالله
كلماتك مؤثره وجمييله اسأل الله تعالى ان يسخر لنا من يدعوا لنا بعد موتنا
واسأله ان يحسن خاتمتنا وان يجمعني بكما في الفردوس الأعلى

23-09-2013

(غير مسجل)

روان القحطاني

الله يرحمها اللهم أني أسالك حسن الخاتمة والستر في الدنيا والآخرة

23-09-2013

(غير مسجل)

بدور

ماأعظم الأخوة في الله تلك التي تكون بين أحرف القرآن والسجدات والدعوات والاتصال الدائم بالله ..رزقنا الله حسن الخاتمة وشملنا برحمته وعدله ..
مقال مؤثر أبكاني رحم الله أبرار ورزقنا من يدعو لنا بعد وفاتنا

بدور

23-09-2013

(غير مسجل)

فاطمه

جزاك الله خير ورحم الله ابرار ورحمك ورحمنا معكم اجمعين
ابكتني كلماتك اسأل الله ان يسخر لي بعد موتي امثالك من يذكرني ويدعوا لي
وان يجمعني بك وبأبرار تحت ظله يوم لاظل الا ظله

محبتك فاطمه

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
3 + 2 =
أدخل الناتج
                                       روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي
                                       جديد المقالات
مدرسة جدي رحمه الله - مرفا رسائل الراحلين
عندما ماتت جدَّتي - مرفا رسائل الراحلين