المقال
النفح الشذي من مجالس سماع موطأ مالك المدني اليمني
2054 زائر
09-08-2013
أبرار بنت فهد القاسم

بسم الله الرحمن الرحيم

أبى اليراع إلا أن يترجم مكنون الخاطر الذي فاض على جنبات الروح في درس موطأ الإمام مالك على الشيخ المحدث عبد العزيز الطريفي سدده الله - والذي عُقد يومي الأربعاء والخميس المنصرمين الموافق 6 و7 صفر من العام الرابع والثلاثين بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تسليم، بمسجد أسامة بن زيد رضي الله عنه - بحي الملقا بالرياض .


وسأحترز من التكرار قدر المستطاع ، فقد أشيد به في صفحات التواصل ، و أجاد الشيخ الفاضل محمد المهنا في وصفه للمجلس مدعما تغريداته بالصور ، ونقل كثير من الإخوة والأخوات تعليقات الشيخ الطريفي سدده الله - في الوسم المخصص لذلك ( #تعليق_الطريفي_على_الموطأ) ، ومنهم من كتب في حسابه الخاص مثل : الشيخ محمد العسيري , والشيخ سلطان بن فهد الجردان ولم يستوعبا كل ماذُكر ، والشيخ أبو الهمام البرقاوي أوسع من قيّد التعليقات .


إلا أن حروفي القادمة ليست عن فوائد الكتاب فالإخوة والأخوات كفوني المهمة جزاهم الله خيرا .. فلعلي أميط اللثام عن بعض الدروس المستقاة من المجلس نفسه ، وإليكم ما استطاع قلمي البوح عنه :


بركة مجلس الحديث

حضرت المجلس حتى الساعة 10 م ثم أكملت مابقي عبر الغرفة الصوتية ، وشتان بينهما وإن اشتركا في الفضل والأجر ، وفي كل خير ، فمن خشي تضييع من يعول أو التفريط في الحقوق والواجبات فلاشك أن الاستماع عبر البث أفضل في حقه ، أما من تيسر له الحضور فلا يعدل عنه ، لما في ذلك من فوائد شتى ، منها :

أ . تكثير سواد تلك المجالس التي تغيض العدو وتخيفه .

ب. التعرف على طلبة العلم وتبادل الخبرات فيما بعد .

ج.اكتساب فوائد تربوية وأخلاقية لا تتهيأ إلا بمثل هذه المجالس التي يزدحم فيها الناس لساعات طوال ، فقد رأيت بعيني معنى الإيثار ، وشاهدت التعاون والتكاتف وتطبيق الوصية بالجار الجنب ، وتعلمت من الأخفياء دروساً عملية في الإسرار بالطاعات .. رأيت اجتهادهم في إخفاء صيامهم ، فإن قيل لهم وقت النهار : هل نحضر لكم ماتقيمون به صلبكم وتشدون به أزركم ويعينكم على درسكم ، قالوا : لا حاجة لنا به الآن.

وإن قيل لهم مثله في المساء ، قالوا : الحمد لله أكلنا ما يكفينا !

رأيتهم كيف يقتنصون الدقائق بل الثواني ليقرأوا وردهم من القرآن !

رأيت الألسنة تلهج بذكر الله والصلاة على رسول الله !

هنا يطرق قلمي أهدابه إجلالاً لذاك الفيض معلناً عجزه عن التعبير الحرفي لكل ما وجده من جلال وهيبة المجلس .


تحديد الهدف والتركيز عليه

القراءة كانت متواصلة إلا فترات يسيرة وهي وقت الطعام والصلاة ، ففي هذه الأوقات يُفك القيد عن الألسنة التي حُبست لفترة طويلة ، فهذه تتصل بوالدتها لتطمئنها على نفسها ، وتلك تتصل بأبنائها لتطمئن عليهم ، والأخرى تسلم على أخت لها لم تلقها منذ أعوام ، وتلك تبحث عن صاحبتها التي تعرفت عليها عبر صفحات التواصل ولم تكتحل عينها برؤيتها إلا في هذا المجلس ، والأخرى تتسابق اللقيمات إلى فمها لتنهي طعامها قبل بدء الدرس ، فإذا بدأ الشيخ انصرف كل واحد عما كان عليه ولم يعرفوا سوى كتبهم وأقلامهم وكأن على رؤوسهم الطير إجلالا لكلام رسول الله .. فلما ركزوا على هدفهم الذي جاءوا من أجله حصلوا مرادهم في الوقت المحدد ، وكما قيل : ماتركز عليه تحصل عليه ، وإلا من كان يظن أننا نستطيع الانتهاء من الموطأ في24 ساعة ! لكنه فضل الله .



الكثرة بشارة خير

عندما رأيت كثرة الحضور والزحام الشديد في المجلس دارت عجلة الزمن بذاكرتي لتحط رحالها عند ذاك المسجد بحي السويدي الذي علق فيه الشيخ الطريفي وفقه الله على الأربعين النووية قبل 9 أو 10 سنوات ، لم يحضر من النساء غيري ولم أستطع إكمال الكتاب لعدم شعوري بالأمان وأنا بمفردي في ذاك المسجد ، أما الرجال فعددهم قليل جدا .. لكن عزيمة الشيخ وإصراره لم تثنه عن مواصلة مشواره في نشر العلم وتبليغه حتى أقر الله عينه بهذا الجمع الغفير ينهلون من علمه وخلقه .

وهذه الكثرة تبشر بصحوة علمية رجالية نسائية تدير دفة المجتمع على بصيرة .

وكم تمنيت أن تُقام الدورة في مسجد ضخم يستوعب تلك الأعداد الكبيرة ولايحوجهم للبقاء عند أبواب المسجد أو فنائه في هذا الجو الشاتي المطير ، بل بلغ بهم الأمر أن استأذنوا الشيخ في فتح المكبرات الخارجية ليسمعوه وهم في سياراتهم فاعتذر إليهم مراعيا حق الجيران ففيهم كبير السن ومنهم العجائز والصغار وقد يؤذيهم ذلك.

وكنت أظنني سأجد ما وجدته في الجامع الكبير بدولة الكويتبرعاية وزارة الأوقاف حين عقدوا مجالس السماع في قاعات المسجد الخارجية والمزودة بالكراسي والطاولات وشاشات العرض تنقل السماع للنساء صوتاً وصورة مع عدم ضرورة الشاشات إلا أن المكان الكبير مهم جدا لاستيعاب الأعداد المتزايدة في المجالس القادمة بإذن الله .


التواضع

أذهلني تواضع شيخاتي زادهن الله به رفعة .. فشيختي و شيخة المحدثات د. رقية المحارب سلمها الله لم تأنف من ثني ركبتها في مجلس من هو في عمر طالباتها ، وتطلب العلم عليه ..

ونهجت نهجها تلميذتها شيختي د. نوال العيد سلمها الله لم تتقاعس عن الاستماع لقرينها الشيخ الطريفي سدده الله

وكذلك رأيت تواضع د. رقية نياز ، ود.مشاعل الدباس ود. ريم السويلم ود. تهاني الصفدي ، وأ. أمل الغفيلي ، أ. نوال الجبرين وغيرهن ممن لا أعرف أسمائهن .

أما بالغرفة الصوتية فرأيت د. أميرة الصاعدي من مكة ود. نوال الغنام من القصيم ولم أدقق في الأسماء لكثرتها .. لكن هذا بعض ما رأيت.

كلهن لم يأنفن من الجلوس في مجلس مع طالباتهم وطالبات طالباتهم ..

كم تعلمت من شيخاتي الأثيرات ودكتوراتي الحبيبات ثبتهن الله وزادهن رفعة في الدارين .

ذلكم العلم لا يعرف عمرا للشيوخ ولا للتلاميذ ، وإنما العبرة فيه لمن أخذه بقوة وجد واجتهاد وعزيمة وإصرار .. وسأل الفتاح الفتح والإعانة والقبول.

ووجود الشيخات بين طالباتهن أشعرهن بالاحتواء والدفء ، ولم يفتأن التذكير بفضل المجلس كلما سنحت لهن الفرصة ، وكانت شيختنا د. رقية المحارب سلمها الله ترفع صوتها بذلك لتسمع الجميع مصّدرة قولها بـ : أبشروا ..

فكان لكلماتهن وقع في تجديد النوايا ، واستحضار الأجر ، والصبر على مابقي من الوقت .


مجالس السماع سنة متبعة

ومن يرى عدم جدواها وأنها لاتُخرج علماء أفذاذ ، وإنما قراء مهرة لأنها تخلو من التحرير والتدقيق ، فقوله وجيه لو اقتصر الطالب في طلبه عليها ، لكن لو جعلها فاكهة جدوله العلمي يستمد منها فيتامينات لا توجد في مجالس علمية أخرى ، يتلذذ بمذاقها بين وقت وآخر فما العيب في ذلك ؟!

وقد أورد القاسمي في كتابه قواعد التحديث مبحثاً لطيفاً اسماه ( ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة ) انصح بقراءته لما فيه من شحذ الهمم .

ولمجالس السماع فوائد لاتخفى منها التدريب على الصبر والجلد ، وفيها حفظ الأوقات ، وفيها تعود طالب العلم على ترك فضول الكلام وفضول الطعام وفضول النوم وفضول النظر فضلا عن المعاصي والآثام ،وفيها تدريب اللسان على كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيها تدريب على جرد المطولات وقراءة دوواين الإسلام في أوقات يسيرة ، وفيها مقابلة النسخ ، وفيها ضبط النطق ، وفيها القيام بفرض كفاية الحِفاظ على السند ، فنحن أمة الإسناد وبه نتميز فلا خير في أمة تقطع إسنادها بنبيها صلى الله عليه وسلم بعد أن كان موصولاً به ردحا من الزمن ، وفيها ربط الخلف بالسلف فتعتاد الأذن سماع أسماء من حفظوا لنا الدين وأوصلوه لنا وتترحم عليهم ، وفيها أجر المرابطة في سبيل الله لانتظارهم الصلاة بعد الصلاة ، وغيرها من الفوائد والأجور المترتبة على تلك المجالس . فإن اجتمع معها تعليق وتحرير فحُسن على حُسن .


السعادة والأنس

من رأى البشر يكسو وجوه الحضور ، والبهجة تغمرهم ظنهم منسابي الخواطر .. لكن من يعرف حقيقة واقع أهل الخير يدرك أنهم أكثر الناس بلاءً ، فيبتلى المرء على قدر دينه ، وكما قال الشيخ الطريفي : الابتلاء علامة الإيمان، ومن لم يبتلى فليراجع إيمانه، تعليقا على حديث:"وما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض يكفر به من سيئاته " فأُنس المجلس ، وسعادتهم بالاستماع لأنفاس الحبيب صلى الله عليه وسلم ونبضاته أنساهم همومهم فعانقت أرواحهم سماء الفأل ، وانشرحت صدورهم، واكتست وجوههم نضرة بدعاء نبينا لهم ، فحُق لمن ضاقت به الدنيا أن يفزع لمجالس الحديث ففيها طمأنينة النفس ، وراحة الفؤاد ، ولو لم يحضروا الكتب والمحابر يكفيهم شرفاً أن ينساب الوحي على مسامعهم فتلهج ألسنتهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .

ختاماً

لم تقدنا أرجلنا لذاك المجلس لقلة مشاغالنا وارتباطاتنا ، ولم نحضره لشرفنا عند مولانا ، ولم نستمتع به لعافية أبداننا ولا صفاء أذهاننا ، القائد الحقيقي والمعين لنا هو فضل الله وكرمه .. نعم بهذا استحققنا : محض جوده وكرمه علينا جميعا بدءاً من الشيخ الطريفي وفقه الله مرورا بالقراء والطلاب ومن أعانهم ووقف على خدمتهم .

فإن أراد الشيطان غرس شيء من العجب والزهو وذكرك بعظيم ما قدمت وكيف حرمت نفسك من نزهة برية في هذا الجو البديع ، أو تركت اجتماع الأهل والأحباب ، أو ذكرك بطول الوقت ومصابرتك ومجاهدتك .. فاذبح وسوسته بسكين النظر في حال الرعيل الغابر وقارن حقيقة بذلهم بحقيقة بذلك ، فكان البعض منهم ينام طاوي البطن ثلاثة أيام لايجد ما يقيم صلبه أما نحن فيدار علينا بالمجلس أطايب الأكل وأحلاه مما كان يدار في بيوت السلاطين والأمراء ، وكانوا يسيرون للعلم على أقدامهم حتى تفطرت ونحن نأتي إليه بأفخر السيارات ونجلس على أبهى النمارق، وكانوا ... وكنا ... !!

بهذا تُدحر الوساوس ، والعبرة الحقيقة بالعمل بما تعلمنا ذاك والله الشرف على الكراسي .. وهذه المجالس وكثرة الإجازات لاتقدس أحدا ( وإنما يقدس الإنسان عمله ) كما قال سلمان الفارسي رضي الله عنه- كما مر معنا في الموطأ كتاب الوصية ، باب جامع القضاء وكراهيته .

فنحمد الكريم الوهاب الذي وفقنا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هداه ، ثم نتقدم بوافر الشكر والتقدير لمن ساهم في نجاح الدورة من شيخ وطلاب وأهلهم الذين أعانوهم وذللوا لهم سبل الحضور وإن لم يحضروا فهم معهم في الأجر سواء ، وللمحسن الذي تكفل بغداء وعشاء الطلاب ولطاقم الضيافة المتألق ولدار الملقا التي استضافت النساء فجزى الله الجميع خير الجزاء وأوفاه ..

ونسأل المنان الذي مَنَّ علينا بإكمال الكتاب ظاهرا أن يكمله لنا باطنا ، ويجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه .. ويجعل الموطأ لنا نورا يقودنا لأعلى الجنان .. إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

كتبته :

أبرار بنت فهد القاسم

   طباعة 
0 صوت
                                       التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
4 + 9 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
أمّ 365 فستان - مرفـأ مدارج سلوكية
شجرة وهرة - وقفات تربوية
ما بال زواجات النخب تتدهور ؟ - مرفـأ مدارج سلوكية
تـنـاقـضـات - مرفـأ مدارج سلوكية